أحمد بن محمود السيواسي
95
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
و « رزقتكم » « 1 » ( وَلا تَطْغَوْا ) أي لا تكفروا تلك النعمة ( فِيهِ ) أي في إحساني إليكم ، وقيل : لا ترفعوا منها لغد شيئا « 2 » ( فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي ) أي أن « 3 » ينحل عليكم عذابي ( وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى ) [ 81 ] أي هلك وسقط في النار ، قرئ « فيحل » بضم الحاء وبضم اللام الأولى من يحلل من الحلول وهو النزول ، وبكسرهما « 4 » بمعنى الوجوب . [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 82 إلى 83 ] وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ( 82 ) وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى ( 83 ) ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ ) من الشرك ( وَآمَنَ ) أي صدق باللّه ورسوله ( وَعَمِلَ صالِحاً ) أي أدى الفرائض خالصا بينه وبين ربه ( ثُمَّ اهْتَدى ) [ 82 ] أي استقام على ذلك ولزمه حتى الموت ( وَما أَعْجَلَكَ ) قاله اللّه تعالى مستفهما على سبيل الإنكار على موسى عجلته حين سار لمناجاة ربه إلى الطور بسبعين رجلا وللاتيان بالتورية ، فلما دنى إلى الطور أمرهم أن يتبعوه إلى الجبل وأسرع هو في سيره إليه شوقا إلى مناجاة ربه ، أي أي شيء أعجلك ( عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى ) [ 83 ] وتركتهم خلفك . [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 84 إلى 85 ] قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى ( 84 ) قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ( 85 ) ( قالَ ) مجيبا لربه ( هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي ) أي عقيب مجيئي ولم أتقدمهم إلا تقدما يسيرا لا يعتد بمثله هذا جواب بطريق التأدب مع ربه لا جواب سؤاله تعالى ، لأنه سأل « 5 » عن السبب ولم يجب عنه بل أجاب بالعذر فيما أنكر عليه لأن السؤال عن السبب من اللّه العالم بكل شيء يستدعي السؤال عن العذر ، فقدم العذر اعترافا منه بالنقص عنده تعالى وليكون « آنَسَ » في محل الخطاب ، ثم عقبه بجواب السؤال عن السبب فقال ( وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ ) يا ( رَبِّ لِتَرْضى ) [ 84 ] أي لتزداد عني رضا ، فيه دليل على جواز الاجتهاد عند الأعلم ، ثم عقب اللّه الأخبار بابتلائه قوم موسى من بعد ذهابه عنهم وإن لم يقع عنده ، لأنه أخبر على عادته بلفظ الموجود لصدق وعده تعالى و ( قالَ ) يا موسى قد انطلقت عنهم ( فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ ) أي ابتليناهم في إيمانهم بخلق العجل ، وكانوا ستمائة ألف فافتتنوا به غير اثني عشر ألفا ( مِنْ بَعْدِكَ ) أي بعد انطلاقك عنهم إلى الجبل ( وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ) [ 85 ] بعمله ، لأنه كان السبب لذلك حيث عمل صورة العجل وأمرهم بعبادته . [ سورة طه ( 20 ) : آية 86 ] فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَ فَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي ( 86 ) ( فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ ) مع الألواح المكتوب فيها التورية ( غَضْبانَ أَسِفاً ) أي شديد الغضب أو حزينا لما فاته من المناجاة وإيمان قومه به ، قيل : إنها كانت ألف سورة ، كل سورة ألف آية ، يحمل أسفارها سبعين جملا « 6 » ، فلما جاءهم موسى ورأى ما يصنعون حول العجل من العبادة له ( قالَ ) لهم ( يا قَوْمِ أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً ) أي صادقا وهو أن يدفع الكتاب إلى موسى ليقرأ عليهم ويهتدوا به ، وقيل : هو أربعون ليلة من ذي القعدة وعشرون ذي الحجة « 7 » ، فرجع موسى إليهم بعد ما استوفى هذه المدة ، وقال ( أَ فَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ ) أي المدة الموعودة مني لكم ( أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي ) [ 86 ] أي تركتم
--> ( 1 ) « أنجيناكم » ، « وواعدناكم » ، « ما رزقناكم » : قرأ الأخوان وخلف بتاء مضمومة بعد الياء في الأول والدال في الثاني والقاف في الثالث وبلا ألف فيها ، والباقون بالنون بعد الياء والدال والقاف وإثبات الألف بعد النون في الجميع ، وقرأ أبو جعفر والبصريان بحذف الألف التي بعد واو « وواعدناكم » والباقون باثباتها . البدور الزاهرة ، 206 . ( 2 ) أخذه المفسر عن السمرقندي ، 2 / 351 . ( 3 ) أن ، ح : - وي . ( 4 ) « فيحل » قرأ الكسائي بضم الحاء ، والباقون بكسرها . البدور الزاهرة ، 206 . ( 5 ) سأل ، وي : يسأل ، ح . ( 6 ) نقله المؤلف عن الكشاف ، 4 / 42 . ( 7 ) أخذه عن الكشاف ، 4 / 42 .