أحمد بن محمود السيواسي
85
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 11 إلى 12 ] فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى ( 11 ) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً ( 12 ) ( فَلَمَّا أَتاها ) أي انتهى إلى النار ( نُودِيَ يا مُوسى [ 11 ] إِنِّي أَنَا رَبُّكَ ) قرئ بفتح « أن » ، أي بأني وبكسرها على الاستئاف « 1 » ، قيل : رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها نار بيضاء تتقد كأضوأ ما يكون فلا ضوء النار يغير خضرة الشجرة ولا خضرة الشجرة تغير ضوء النار « 2 » ، قيل : إنها كانت شجرة العناب كلما طلبها بعدت عنه فإذا تركها قربت منه وتعجب منها وبهت أكثر المفسرين على أنها نور الرب تعالى « 3 » ، وقيل : « هي النار بعينها » « 4 » كما قال النبي عليه السّلام عليه : « حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه » « 5 » ، ثم سمع تسبيح الملائكة وألقيت عليه السكينة ، ثم سمع النداء من الشجرة يا موسى ، فقال من المتكلم ؟ فقال اللّه إني أنا ربك ، ووسوس الشيطان إليه لعلك تسمع كلام شيطان ، فقال أنا عرفت أنه كلام اللّه بأني أسمعه من جميع الجهات الست وأسمعه بجيمع أعضائي ، وكرر الضمير في « إِنِّي أَنَا رَبُّكَ » لتحقيق المعرفة ونفي الشبهة ، فأجاب موسى سريعا أني أسمع صوتك ولا أرى مكانك ، فأين أنت ؟ فقال أنا فوقك ومعك وأمامك وخلفك وأقرب إليك من نفسك ( فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ) أي ألقهما ، فألقاهما من وراء الوادي ، لأنهما كانا من جلد حمار ميت غير مدبوغين ، وقيل : أمر بخلعهما لتناله بركة الأرض المقدسة وتنالها بركتها « 6 » ( إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ ) أي الأرض الطاهرة الطيبة ( طُوىً ) [ 12 ] بالتنوين وغيره « 7 » ، اسم الوادي ، عطف بيان له منصرف بتأويل المكان وغير منصرف بتأويل البقعة المعروفة . [ سورة طه ( 20 ) : آية 13 ] وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى ( 13 ) ( وَأَنَا اخْتَرْتُكَ ) أي أصطفيتك يا موسى للرسالة ، مفردا في الكلمتين وجمعا فيهما مع كسر « إن » تعظيما للّه تعالى « 8 » ( فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى ) [ 13 ] إليك ، أي اعمل بما تؤمر وتنهي . [ سورة طه ( 20 ) : آية 14 ] إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ( 14 ) ثم بين له توحيده فقال ( إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا ) أي لا معبود للخلق إلا أنا ( فَاعْبُدْنِي ) أي أطعني واستقم على توحيدي ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ) [ 14 ] أي لتذكرني ، فان ذكري أن أعبد ويصلى « 9 » لي أو لتذكرني فيها لاشتمال الصلاة على الأذكار ، وقيل : صل الصلاة إذا ذكرتها بعد النسيان « 10 » ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك » « 11 » . [ سورة طه ( 20 ) : آية 15 ] إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى ( 15 ) ( إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ ) أي كائنة البتة ( أَكادُ أُخْفِيها ) أي أقرب أن أستر الساعة عن العباد ، ولا أقول هي آتية لفرط إرادتي أخفاءها ليكونوا علي وجل منها في كل وقت ، وقيل : معناه أكاد أخفيها من نفسي فكيف أطلعكم
--> ( 1 ) « إني » : قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر بفتح همزة « إني » ، والباقون بكسرها ، وفتح الياء المدنيان والمكي والبصري وأسكنها غيرهم . البدور الزاهرة ، 201 . ( 2 ) أخذه المفسر عن البغوي ، 4 / 6 . ( 3 ) اختصره من السمرقندي ، 2 / 337 ؛ والبغوي ، 4 / 6 . ( 4 ) عن سعيد جبير ، انظر البغوي ، 4 / 6 . ( 5 ) أخرجه مسلم ، الإيمان ، 293 ( الحديث : حجابه النور . . . وفي رواية أبي بكر : النار ) ؛ وانظر أيضا البغوي ، 4 / 6 . ( 6 ) اختصره من البغوي ، 4 / 6 . ( 7 ) « طوى » : قرأ الشامي والكوفيون بتنوين الواو ، والباقون بلا تنوين . البدور الزاهرة ، 202 . ( 8 ) « وَأَنَا اخْتَرْتُكَ » : قرأ حمزة بتشديد نون « أنا » و « أخترناك » بنون بعد الراء وبعد النون ألف ، والباقون بتخفيف نون « وأنا » و « أخترتك » بتاء مضمومة في مكان النون من غير ألف . البدور الزاهرة ، 202 . ( 9 ) ويصلى ، ح : وتصلي ، وي ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 4 / 28 . ( 10 ) لعله اختصره من السمرقندي ، 2 / 338 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 4 / 7 . ( 11 ) رواه مسلم ، المساجد ، 314 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 338 ؛ والبغوي ، 4 / 7 .