أحمد بن محمود السيواسي
69
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 23 ] فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا ( 23 ) ( فَأَجاءَهَا ) تعدية « جاء » بالهمزة ، أي ألجأها ( الْمَخاضُ ) وهو وجع الولادة ، يقال مخضت الحامل إذا تحرك الولد في بطنها للخروج ، قوله ( إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ ) متعلق ب « أجاء » لانتقاله إلى معنى الإلجاء بالاستعمال ، أي إلى أصل النخلة اليابسة لتستتر به وتعتمد عليه عند الولادة ، إذ لم يكن لها قابلة تعينها ( قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا ) أي هذا الذي أنا فيه من الشدة ، قالته من فرط الحياء والخجالة من الناس على حكم عادة البشرية لا كراهة لحكم اللّه ( وَكُنْتُ نَسْياً ) بفتح النون وكسرها « 1 » ، هو الشيء الحقير المنسي لحقارته ( مَنْسِيًّا ) [ 23 ] أي متوركا لم اذكر ، وقيل : النسي هو الحيضة « 2 » ، أي خرقة الحائض . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 24 إلى 25 ] فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ( 24 ) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا ( 25 ) ( فَناداها ) أي خاطبها حين سمع جزعها بالولادة ( مِنْ تَحْتِها ) بفتح الميم ، أي جبرائيل ، لأنه كان في مكان أسفل عنها ، وقيل عيسى حين خرج من بطن أمه « 3 » ، يعني من تحت ذيلها وبكسر الميم « 4 » ، فالمنادي « عيسى » أو « جبرائيل » والهاء ل « النخلة » ( أَلَّا تَحْزَنِي ) بولادة عيسى وبمكان القحط تسلية وبشارة لها لما هو معجزة وتظهر به براءتها لشدة ما لقيت ، و « أن » فيه مفسرة للنداء ( قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ) [ 24 ] أي نهرا صغيرا ، يعني جعله تحت قدميك أو جعله تحت أمرك إن أمرته يجري وإن أمرته يقف ، قيل : ضرب عيسى بعقبه الأرض فظهر عين ماء عذب فجرى النهر اليابس فاخضرت النخلة اليابسة وأثمرت وأينعت ثمرتها « 5 » ، فقيل لها ( وَهُزِّي ) أي حركي أصل النخلة ومدي ( إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ ) بضم التاء وكسر القاف ، وبفتح التاء والقاف مع التخفيف والتشديد « 6 » ، أي النخلة ( رُطَباً جَنِيًّا ) [ 25 ] أي مجنيا أو طريا قبل أوانه ، لأنه كان في الشتاء فوضعت يدها على النخلة فسقط رطبها . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 26 ] فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ( 26 ) ( فَكُلِي ) من الرطب ( وَاشْرَبِي ) من ماء النهر ( وَقَرِّي عَيْناً ) بابنك عيسى وبانتفاء التهمة عنك بجري النهر اليابس وباخضرار النخلة اليابسة وإثمارها قبل وقتها ، لأنهم إذا رأوا ذلك لم يستبعدوا ولادة ولد بلا فحل ، سلاها بالسري والرطب من حيث إنهما معجزتان تريان الناس أنها من أهل العصمة والبعد من الريبة لا من حيث إنهما طعام وشراب ، ثم قال ( فَإِمَّا تَرَيِنَّ ) أي إن رأيت ( مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً ) فسألك عن ولدك ( فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً ) أي صمتا ، يعني قولي ذلك بالإشارة لا باللفظ ، وكان ذلك « 8 » الصوم من الكلام جائزا في شريعتهم لا في شريعتنا ، وقيل : إنها أمرت أن تنذر السكوت لأن عيسى يكفيها الكلام مع السفهاء لتبرية ساحتها « 9 » ، وقيل : سوغ لها ذلك القدر يوما بالنطق « 10 » ( فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ) [ 26 ] أي آدميا فأقامت في غار
--> ( 1 ) « نسيا » : قرأ حفص وحمزة بفتح النون وغيرهما بكسرها . البدور الزاهرة ، 199 . ( 2 ) ولم أجد له مرجعا في المصادر التي راجعتها . ( 3 ) أخذه المؤلف عن البغوي ، 3 / 614 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 4 / 6 . ( 4 ) « مِنْ تَحْتِها » : قرأ نافع وحفص والأخوان وخلف وأبو جعفر وروح بكسر الميم وجر التاء الثانية « مِنْ تَحْتِها » ، والباقون بفتح الميم ونصب تاء « تحتها » . البدور الزاهرة ، 199 . ( 5 ) ولم أجد له مأخذا في المصادر التفسيرية التي راجعتها . ( 6 ) « تساقط » : قرأ حمزة بفتح التاء الفوقية والقاف وتخفيف السين وقرأ حفص بضم التاء وتخفيف السين وكسر القاف ويعقوب بياء تحتية مفتوحة مع تشديد السين وفتح القاف ، والباقون بالتاء الفوقية المفتوحة وتشديد السين وفتح القاف . البدور الزاهرة ، 199 . ( 8 ) ذلك ، ح ي : هذا ، و . ( 9 ) قد اختصره المؤلف من الكشاف ، 4 / 7 . ( 10 ) أخذه المفسر عن الكشاف ، 4 / 7 .