أحمد بن محمود السيواسي
62
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
الدال « 1 » ، أي جانبي الجبلين ، يعني ملأ ما بينهما إلى أعلاهما ، ثم وضع المنافخ حوله ( قالَ انْفُخُوا ) فنفخوا النار ( حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ) أي الحديد ( ناراً ) أي كالنار ( قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً ) [ 96 ] أي نحاسا مذابا ، تقديره : آتوني أفرغ علي قطرا ، حذف الأول بدلالة الثاني عليه ، والإفراغ الصب ، فصب النحاس المذاب على الحديد المحمى ، فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلا واحدا ، قيل : بعد ما بين السدين مائة فرسخ « 2 » . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 97 ] فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً ( 97 ) ( فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ ) أي ما أطاقوه أن يصعدوا على ظهره لملاسته ورفعته ( وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً ) [ 97 ] أي خرقا لصلابته وثخانته . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 98 ] قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ( 98 ) ( قالَ ) ذو القرنين ( هذا ) أي السد ( رَحْمَةٌ ) أي نعمة ( مِنْ رَبِّي ) علي وعليكم لعدم خروجهم بسببه ( فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي ) أي إذا دنى مجيء يوم القيامة ( جَعَلَهُ ) أي السد ( دَكَّاءَ ) أي مدكوكا مكسورا مسوى بالأرض ، وقرئ « دكاء » « 3 » ، أي أرضا دكاء ( وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ) [ 98 ] أي واجبا حصوله بالثواب والعقاب بعد بعث الخلائق كلهم هذا آخر كلام ذي القرنين ، قيل : « إنهم يحفرون كل يوم الردم حتى إذا كادوا يرون الشعاع ، قال الذي عليهم : ارجعوا فستحفرنه غدا ولم يستثنوا فيعيده اللّه كما كان فإذا بلغت مدتهم قال الذي عليهم : ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء اللّه فيعودون إليه ، وهو كهيئته فيحفرونه ، ويخرجون على الناس وهم يتحصنون في حصونهم منهم فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع فيها كهيئة الدم ، فيقولون قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء ، فيبعث اللّه عليهم نغفا في أقفائهم بدعاء عيسى عليه السّلام فيهلكون ، وتأكلهم دواب الأرض وتسمن وتشكر من لحومهم شكرا » « 4 » ، فهذا انما يكون بعد خروج الدجال ونزول عيسى عليه السّلام وقتله بأمره تعالى ، ثم يبارك في الأرض فيخرج ثمرتها وترد بركتها فيكون الناس في نعمة وسعة إذ بعث اللّه تعالى ريحا طيبة فيأخذهم من تحت آباطهم فيقبض روح كل مؤمن ويبقى شرار الناس « 5 » فيقوم عليهم الساعة . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 99 ] وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً ( 99 ) ثم قال تعالى مخبرا عن حال الخلق بعد البعث ( وَتَرَكْنا ) أي ونجعل ( بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ ) أي بعض الخلائق يوم القيامة ( يَمُوجُ ) أي يختلط كموج الماء ( فِي بَعْضٍ ) إنسهم بجنهم من الحيرة وشدة الخوف ، وقيل : الضمير ل « يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ » ، أي يختلفون عند خروجهم من السد مزدحمين في البلاد لكثرتهم « 6 » ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ) أي والحال أن إسرافيل قد نفخ الصور أرواح الخلائق ، لأن خروج يأجوج ومأجوج من علامات قرب الساعة ( فَجَمَعْناهُمْ ) أي الخلائق في مكان واحد هنالك ( جَمْعاً ) [ 99 ] أي جمع . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 100 ] وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً ( 100 ) ( وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ ) أي أظهرناها يوم القيامة ( لِلْكافِرِينَ ) أي الجاحدين بالحق ( عَرْضاً ) [ 100 ] أي رأوها عيانا . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 101 ] الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً ( 101 ) ثم وصفهم بقوله ( الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ ) أي غلاف في الدنيا ( عَنْ ذِكْرِي ) أي عن القرآن والإيمان
--> ( 1 ) « الصدفين » : قرأ شعبة بضم الصاد وإسكان الدال ، والمكي والبصريان والشامي بضم الصاد والدال ، والباقون بفتحهما . البدور الزاهرة ، 196 . ( 2 ) قد أخذه عن الكشاف ، 3 / 220 . ( 3 ) « دكاء » : قرأ الكوفيون بمد الكاف وهمزة مفتوحة بعدها غير منونة ، والباقون بتنوين الكاف من غير همز بعدها . البدور الزاهرة ، 197 . ( 4 ) عن أبي هريرة ، انظر البغوي ، 3 / 600 . وهذه الراية موجدة أيضا في تفسير القرآن العظيم ، 5 / 371 ؛ والبداية والنهاية لب 2 / 103 ، وهما لابن كثير . ( 5 ) ويبقى شرار الناس ، وي : وبقي شر الناس ، ح . ( 6 ) نقله المؤلف نقلا عن الكشاف ، 3 / 221 .