أحمد بن محمود السيواسي

61

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 94 ] قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ( 94 ) ( قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ) بهمز الألف وبغير الهمز فيهما « 1 » اسمان لقبيلتين من الأجة وهي شدة الحر ، لأنهم يتحركون ويهلكون ما يتصلون به كالنار ، وهما لا ينصرفان بالعلمية والتأنيث ، وقيل : أعجميان وهم من أولاد يافث بن نوح « 2 » أو احتلام آدم ، لأنه احتلم وامتزجت نطفته بالتراب فهم منها يتصلون بنا من جهة الأب دون الأم « 3 » ، قيل : بنو آدم عشرهم ، لأنه لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه يحملون السلاح « 4 » ( مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ) قالوه له شكاية منهم ، أي هم يفسدون عند خروجهم إلينا بفعلهم الخبيث ، فإنهم كانوا يخرجون إلى قوم صالحين بقربهم فيهلكون زروعهم وضروعهم ويقتلونهم ، وقيل : كانوا يأكلون الناس « 5 » ، وقيل : كانوا يفعلون فعل قوم لوط « 6 » ( فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً ) أي جعلا للسد ، وقرئ « خراجا » « 7 » ، أي جزية ( عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ) [ 94 ] أي حاجزا لئلا يصلوا إلينا . [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 95 إلى 96 ] قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً ( 95 ) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً ( 96 ) ( قالَ ) ذو القرنين ( ما مَكَّنِّي ) بالإدغام وفكه « 8 » ( فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ ) أي الذي جعلني فيه قويا مكينا من كثرة المال والعلم وطلب ثوابه أفضل من ما تعطونني أنتم من الخراج ، يعني لا حاجة لي إليه ( فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ ) أي بالبنائين وصناع يحسنون البناء والعمل وبالآلات ( أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً ) [ 95 ] أي سدا عظيما موثقا فحفروا ما بين السدين حتى بلغوا الماء وجاؤه بما أمرهم به ، ثم ( آتُونِي ) بقطع الهمزة من الإيتاء ، أي أعطوني وبوصل الهمزة من الاتيان « 9 » ، أي جيئوني ( زُبَرَ الْحَدِيدِ ) أي قطعه جمع زبرة ، فجعل الأساس من الصخرة والنحاس المذاب والبنيان من زبر الحديد بينهما الحطب والفحم ( حَتَّى إِذا ساوى ) السد ( بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ ) بفتحتين وضمتين وبسكون

--> ( 1 ) « يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ » : قرأ عاصم بالهمز المحقق فيهما ، والباقون بابداله حرف مد . البدور الزاهرة ، 196 . ( 2 ) أخذه عن البغوي ، 3 / 596 . ( 3 ) نقله المفسر عن البغوي ، 3 / 597 . وقال ابن كثير : « ومن زعم أن يأجوج ومأجوج خلقوا من نطفة آدم حين احتلم فاختلطت بتراب ، فخلقوا من ذلك وإنهم ليسوا من حواء فهو قول حكاه الشيخ أبو زكريا النووي في شرح مسلم وغيره وضعفوه وهو جدير بذلك ، إذ لا دليل عليه ، بل هو مخالف لما ذكرناه من أن جميع الناس اليوم من ذرية نوح بنص القرآن ، وهكذا من زعم أنهم على أشكال مختلفة وأطوال متباينة جدا . فمنهم من هو كالنخلة السحوق ومنهم من هو غاية في القصر ، ومنهم من يفترش أذنا من أذنيه ويتغطى بالأخرى ، فكل هذه الأقوال بلا دليل ورجم بالغيب بغير برهان . والصحيح أنهم من بني آدم وعلى أشكالهم وصفاتهم . . . عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم ولو أرسلوا لأفسدوا على الناس معائشهم ولن يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفا فصاعدا ، وإن من ورائهم ثلاث أمم : تأويل وتاريس ومنسك » ، وهو حديث غريب جدا وإسناده ضعيف ، وفيه نكارة شديدة » . انظر البداية والنهاية ، 2 / 101 . ( 4 ) أخذه المؤلف عن الكشاف ، 3 / 220 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 596 ، 597 . ( 5 ) نقله عن البغوي ، 3 / 598 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 3 / 220 . ( 6 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها . ( 7 ) « خرجا » : قرأ الأخوان وخلف بفتح الراء وبعدها ألف ، والباقون باسكانها من غير ألف . البدور الزاهرة ، 196 . ( 8 ) « مكني » : قرأ المكي بنونين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة مخففة ، وغيره بنون واحدة مشددة مكسورة . البدور الزرهرة ، 196 . ( 9 ) « ردما ائتوني » : قرأ شعبة بكسر تنوين « ردما » وهمزة ساكنة بعده وصلا فان وقف على « ردما » وابتدأ ب « ائتوني » فيبتدئ بهمزة وصل مكسورة وإبدال الهمزة الساكنة بعدها ياء ، والباقون باسكان التنوين وهمزة قطع مفتوحة وبعدها ألف وصلا ووقفا . البدور الزاهرة ، 196 .