أحمد بن محمود السيواسي

54

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

ينصب ولا جاع قبل ذلك فتذكر الحوت ( قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا ) وهو ما يعد للأكل أول النهار والعشاء ما يعد له آخره ( لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا ) أي واللّه لقينا من هذا السفر الذي سرناه بعد مجاوزة الصخرة ( نَصَباً ) [ 62 ] أي تعبا ، فذكر فتاه حين عند طلب موسى الحوت ما رأى منه . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 63 ] قالَ أَ رَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً ( 63 ) ( قالَ ) لموسى ( أَ رَأَيْتَ ) أي أخبرني ( إِذْ أَوَيْنا ) أي نزلنا ( إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ ) عند الصخرة وإنما نسي ذلك يوشع « 1 » ومثله ينبغي أن لا ينسي لكونه أمارة لهما على مطلوبهما الداعي إلى الخروج لأجله ، لأن الشيطان قد شغله بوسوسته فتفرق فكره فاعتراه النسيان ، يدل عليه ( وَما أَنْسانِيهُ ) بضم الهاء وكسرها « 2 » ، أي الحوت ( إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ) يعني أمر الحوت لك وهو بدل من الهاء في « أَنْسانِيهُ » ، « وَما أَنْسانِيهُ » « 3 » الجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه ، وذلك قوله ( وَاتَّخَذَ ) أي موسى أو الحوت ( سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً ) [ 63 ] أي سبيلا عجيبا وهو كونه سبيل السرب ، ونصبه مفعول ثان ل « اتَّخَذَ » مثل سربا فيما مر ، ويجوز أن يكون « عَجَباً » من آخر كلام يوشع تعجبا من حاله في رؤية تلك العجيبة ونسيانه لها ، فيكون مصدر الفعل محذوف ، أي أعجب من ذلك عجبا . [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 64 إلى 65 ] قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً ( 64 ) فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ( 65 ) ( قالَ ) موسى ( ذلِكَ ) أي اتخاذه سبيله ( ما ) أي الذي ( كُنَّا نَبْغِ ) بحذف الياء وإثباتها « 4 » ، أي نطلبه ، لأنه أمارة للظفر بالطلبة من لقاء الخضر ( فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما ) أي رجعا في درجهما وهو الطريق الذي جاءا منه ( قَصَصاً ) [ 64 ] أي يقصان ، يعني يتبعان آثارهما اتباعا أو حال من ضمير « فارتدا » بمعنى مقتصين فأتيا الصخرة ( فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا ) قائما يصلي عند الصخرة ، وعليه كساء صوف وهو الخضر ، قيل : « كان من بني إسرائيل أو كان ممن ترك الملك وزهد في الدنيا » « 5 » ، ثم وصفه بقوله « 6 » ( آتَيْناهُ رَحْمَةً ) أي نبوة وشفقة ( مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا ) أي مما يختص بنا من العلم ( عِلْماً ) [ 65 ] وهو مفعول به ، وأراد به علم الباطن وهو الإخبار عن الغيوب باذنه تعالى ، فسلم عليه موسى ، فقال : وعليك السّلام يا نبي بني إسرائيل ، قال : ومن أعلمك أني نبيهم ؟ قال : الذي أعلمك بمكاني . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 66 ] قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ( 66 ) ( قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ) [ 66 ] بضم الراء وسكون الشين وبفتحهما « 7 » ، أي علما ذا رشاد أرشد به ديني لا يقال إنه كان ممن دونه ، فكيف يأخذ منه العلم وهو أعلم منه لأنا نقول أمر اللّه موسى بذلك فلا ذلة له ، وقيل : أخذ العلم من آخر للزيادة مطلوب إذا لم يكن عند الشخص « 8 » ، وقيل : لا نقيضة للنبي في أخذ العلم من نبي آخر مثله « 9 » .

--> ( 1 ) ذلك يوشع ، و : يوشع ذلك ، ي ، يوشع ، ح . ( 2 ) « أنسانيه » : ضم الهاء حفص وكسرها غيره ووصلها ابن كثير وحده . البدور الزاهرة ، 194 . ( 3 ) وما أنسانيه ، وي : - ح . ( 4 ) « نبغ » : أثبت الياء وصلا المدنيان والبصري والكسائي وفي الحالين ابن كثير ويعقوب ، وحذفها الباقون في الحالين . البدور الزاهرة ، 194 . ( 5 ) أخذه المؤلف عن البغوي ، 3 / 584 . ( 6 ) ثم وصفه بقوله ، و : وصف ، ح ، - ي . ( 7 ) « رشدا » : قرأ البصريان بفتح الراء والشين وغيرهما بضم الراء وسكون الشين . البدور الزاهرة ، 194 . ( 8 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها . ( 9 ) أخذه المصنف عن الكشاف ، 3 / 214 .