أحمد بن محمود السيواسي
53
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
أصحاب القرى كعاد وثمود وقوم لوط أهلكناهم ( لَمَّا ظَلَمُوا ) مثل ظلم أهل مكة ( وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ ) بضم الميم وفتح اللام « 1 » ، أي لإهلاكهم ( مَوْعِداً ) [ 59 ] أي وقتا معلوما لا يتأخرون عنه كما جعلنا لأهل مكة يوم بدر ، وهو بفتح الميم وكسر اللام الهلاك وفتحهما كذلك وإنما أشار لهم إلى تلك القرى ليعتبروا فيؤمنوا . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 60 ] وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً ( 60 ) قوله ( وَإِذْ قالَ مُوسى ) عطف على قوله « وَإِذْ قُلْنا » عطف على قصة ليعتبروا بها ، أي واذكر إذ قال موسى بن عمران ( لِفَتاهُ ) أي لعبده وإنما قال لفتاه تعليما للأدب ، قال صلّى اللّه عليه وسلم : « ليقل أحدكم فتاي وفتاتي ، ولا يقل عبدي وأمتي » « 2 » ، وقيل : « هو يوشع ابن نون النبي ، وإنما قيل « فتاه » ، لأنه كان يخدمه ويأخذ منه العلم » « 3 » ، روي : أنه لما ظهر موسى على مصر مع بني إسرائيل بعد هلاك القبط أمره اللّه أن يذكر قومه أنعام اللّه عليهم ، فقام فيهم خطيبا فذكر نعمة اللّه لهم ، فرقت القلوب وذرفت العيون ، فقالوا يا موسى ! أي الناس أعلم ؟ قال : أنا ، فعتب اللّه عليه حيث لم يرد العلم إلى اللّه تعالى فأوحى إليه بل أعلم منك عبد لي عند مجمع البحرين ، وهو الخضر ، وكان في أيام أفريدون الملك قبل موسى فبقي إلى أيام موسى ، فقال : يا رب ! أين أطلبه وكيف لي به ؟ قال : اطلبه على الساحل عند الصخرة ، وخذ حوتا مملوحا يكون زادا لك ، فحيث فقدت الحوت فهو هناك ، ففعل « 4 » ، وقال لفتيه ( لا أَبْرَحُ ) من برح يبرح بمعنى لا يزال ، وهو من الأفعال الناقصة يقتضي الخبر وهو محذوف لدلالة الحال عليه فهو حال السفر ، أي لا أزال أسير ( حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ ) وهو المكان الذي وعد اللّه موسى لقاء الخضر وهو ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق ( أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً ) [ 60 ] أي أو أسير دهرا طويلا حتى أجده ، والحقب بضم القاف وسكونه « 5 » « ثمانون سنة » « 6 » ، وقيل : هو الدهر وجمعه أحقاب « 7 » ، فذهبا يمشيان وقال موسى لفتيه إذا فقدت الحوت فأخبرني . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 61 ] فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً ( 61 ) ( فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما ) أي بين البحرين وجلسا على شاطئ البحر ، وفيه الصخرة ، وفيه من الحياة التي لا يصيب ماؤها شيئا « 8 » ميتا إلا حيي « 9 » ، قيل : « وضع يوشع الحوت على الصخرة فرقد موسى وتوضأ يوشع من تلك العين ، فأصاب الحوت شيء من ماء الوضوء فاضطرب الحوت وخرج من المكتل ، ووقع في البحر ولما نسي يوشع عند الرحيل حمل الحوت أو إخبار موسى عن حاله ، ونسي موسى تذكره نسب النسيان إليهما » « 10 » ، فقيل ( نَسِيا حُوتَهُما ) في جواب « لما » ( فَاتَّخَذَ ) الحوت ( سَبِيلَهُ ) أي طريق الحوت ( فِي الْبَحْرِ سَرَباً ) [ 61 ] مفعول ثان ل « اتخذ » ، وهو الثقب تحت الأرض ، قيل : إذا لم يكن له منفذ يقال له سرب ، وإذا كان له منفذ يقال له نفق « 11 » ، وإنما قال « فِي الْبَحْرِ سَرَباً » ، لأن اللّه تعالى أمسك جرية الماء على الحوت ، فقام الماء عليه مثل الطاق فصار للحوت سربا ولموسى أو للخضر معجزة . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 62 ] فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً ( 62 ) ( فَلَمَّا جاوَزا ) أي الموعد وهو الصخرة تلك الليلة والغد إلى الظهر وألقى على موسى النصب والجوع ولم
--> ( 1 ) « لمهلكهم » : قرأ شعبة بفتح الميم واللام ، وحفص بفتح الميم وكسر اللام ، والباقون بضم الميم وفتح اللام . البدور الزاهرة ، 194 . ( 2 ) رواه البخاري ، العتق ، 17 ؛ ومسلم ، الألفاظ ، 13 ، 15 . ( 3 ) أخذه المصنف عن الكشاف ، 3 / 212 . ( 4 ) اختصره من الكشاف ، 3 / 212 - 213 . ( 5 ) ولم أجد لهذه القراءة أصلا في المصادر التي راعتها . ( 6 ) عن الكلبي ، انظر السمرقندي ، 2 / 305 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 582 ( عن عبد اللّه بن عمر ) . ( 7 ) اختصره المفسر من البغوي ، 3 / 582 . ( 8 ) شيئا ، وي : - ح . ( 9 ) حيي ، ح ي : يحيى ، و . ( 10 ) أخذه المصنف عن البغوي ، 3 / 582 - 583 . ( 11 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التفسيرية التي راجعتها .