أحمد بن محمود السيواسي
52
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
فاعل « مَنَعَ » بتقدير المضاف ، أي إلا انتظار « 1 » أن تأتيهم ( سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ) وهي الهلاك فيرونها عيانا ، قيل : هذا فيمن قتل من المشركين ببدر وأحد « 2 » ( أَوْ ) انتظار أن ( يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ ) أي عذاب الآخرة ( قُبُلًا ) [ 55 ] أي أصنافا بضمتين ، جمع قبيل ، وبفتحتين مستقبلا ومقابلا ، وبكسر القاف وفتح الباء « 3 » فجأة أو مقابلة . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 56 ] وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً ( 56 ) ( وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ ) للمؤمنين بالجنة ( وَمُنْذِرِينَ ) للكافرين بالنار ( وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) الرسل ( بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا ) أي ليبطلوا ( بِهِ الْحَقَّ ) الذي معهم ، والدحض الزلق ، من إدحاض القدم ، وهو إزلاقها عن موطئها ( وَاتَّخَذُوا آياتِي ) أي القرآن ( وَما أُنْذِرُوا ) أي الذي خوفوا به من العذاب أو إنذاري ( هُزُواً ) [ 56 ] أي سخرية ، يعني موضع استهزاء ، وجدالهم : قولهم للرسل إن أنتم إلا بشر مثلنا ولو شاء اللّه لأنزل ملائكة وغير ذلك . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 57 ] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً ( 57 ) ( وَمَنْ أَظْلَمُ ) استفهام على سبيل التوبيخ ، أي من أشد ظلما ( مِمَّنْ ذُكِّرَ ) أي وعظ ( بِآياتِ رَبِّهِ ) أي بالقرآن ، ولهذا ذكر الضمير في « أَنْ يَفْقَهُوهُ » بعد ( فَأَعْرَضَ عَنْها ) أي عن الآيات ولم يتذكر حين ذكر بها ولم يعمل بها ( وَنَسِيَ ) عاقبة ( ما قَدَّمَتْ يَداهُ ) من الكفر والمعاصي ولم يتفكر في أن المنسيء والمحسن لا بد لهما من جزاء ، قوله ( إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ ) تعليل لإعراضهم ونسيانهم ذلك « 4 » ، أي جعلنا أعمالهم على قلوبهم ( أَكِنَّةً ) أي أغطية ( أَنْ يَفْقَهُوهُ ) أي لئلا يفقهوا القرآن ( وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً ) أي ثقلا وصمما لا يسمعونه ( وَإِنْ تَدْعُهُمْ ) شرط أو « أَنْ » بمعنى « لا » للنهي ، أي لا تدعهم يا محمد ( إِلَى الْهُدى ) أي طريق الفلاح وهو دين الإسلام ( فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً ) [ 57 ] و « إِذاً » « 5 » جواب وجزاء ، أما كونه جوابا فلأن قوله تعالى « إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً » الآية في معنى لا تدعهم إلى الهدى على تقدير كون « إن » شرطا ، ثم نزل حرصه عليه السّلام منزلة قوله ما لي لا أدعوهم ؟ فأجيب بقوله وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا « 6 » ، وأما كونه جزاء فلأنه يدل على انتفاء اهتدائهم لدعوة الرسول على معنى أنهم جعلوا ما هو سبب لوجود الاهتداء سببا لانتفائه بالإعراض عن دعوته . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 58 ] وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً ( 58 ) ( وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ) للمؤمنين وهو البليغ في « 7 » المغفرة ( ذُو الرَّحْمَةِ ) وهو الموصوف بالرحمة لهم خاصة في الآخرة باعطائهم الثواب ، وذي الرحمة في الدنيا لهم ولغيرهم بالرزق وغيره من النعم ( لَوْ يُؤاخِذُهُمْ ) أي في الدنيا ( بِما كَسَبُوا ) من الذنوب ( لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ ) فيها من غير إمهال لإفراطهم في عداوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولكنه لم يجعل ( بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ ) وهو يوم بدر أو يوم القيامة ، فيعذبون فيه ( لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ ) أي من غيره ( مَوْئِلًا ) [ 58 ] أي ملجأ ومنجى ، من وال إذا نجا وواءل إليه إذا التجأ إليه . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 59 ] وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً ( 59 ) ( وَتِلْكَ الْقُرى ) مبتدأ مع صفته ( أَهْلَكْناهُمْ ) خبره ، أي تلك القرى المتقدمة من قبل أهل مكة ، والمراد
--> ( 1 ) إلا انتظار ، ح ي : الانتظار ، و . ( 2 ) ولم أجد له مرجعا في المصادر التي راجعتها . ( 3 ) « قبلا » : قرأ أبو جعفر والكوفيون بضم القاف والباء ، وغيرهم بكسر القاف وفتح الباء . البدور الزاهرة ، 193 . ( 4 ) ذلك ، وي : - ح . ( 5 ) إذا ، ح ي : إذن ، و . ( 6 ) إذا ، + ي . ( 7 ) في ، ح و : - ي .