أحمد بن محمود السيواسي

49

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

موعظة أخيه فعلم أنه أتى من جهة شركة بربه فتمنى لو لم يكن مشركا حتى لا يهلك اللّه جنته . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 43 ] وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً ( 43 ) ( وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ ) بالتاء والياء « 1 » ، أي جماعة ( يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) أي من عذابه ، وقيل : معناه لا يقدر أحد غير اللّه أن ينصره وهو القادر على نصرته ، لكنه لا ينصره لاستحقاقه الخذلان بكفره « 2 » ( وَما كانَ مُنْتَصِراً ) [ 43 ] أي ممتنعا بنفسه منه . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 44 ] هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً ( 44 ) ( هُنالِكَ ) ظرف لما قبله ، أي عند مجيئ العذاب أو في القيامة ، قوله ( الْوَلايَةُ ) بالفتح النصرة والتولي ، وبالكسر الملك والسلطان أو بالفتح في الدين ، وبالكسر في الأمور « 3 » ، وهي مبتدأ ، خبره ( لِلَّهِ ) أي الولاية للّه وحده لا يملكها غيره ، ويجوز أن يكون « هُنالِكَ » من هذه الجملة ، فيكون خبر « الْوَلايَةُ » و « لِلَّهِ » صلتها ، والمعنى في ذلك المقام : النصرة للّه وحده لا يستطيعها أحد سواه ، وهو تقرير لقوله « وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ » ، قوله ( الْحَقِّ ) بالرفع صفة « الْوَلايَةُ » ، والجر صفة « لِلَّهِ » « 4 » ( هُوَ خَيْرٌ ) أي اللّه أفضل ( ثَواباً ) لمن آمن به ( وَخَيْرٌ عُقْباً ) [ 44 ] أي أفضل عاقبة له من جنة الكافر في الدنيا ، وال « عقب » بضم القاف وسكونها « 5 » والعقبى كلها بمعنى العاقبة ، والمنصوبان تمييزان ، والمعنى : ثواب اللّه وعاقبته خير للمؤمنين من الدنيا وما فيها . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 45 ] وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ( 45 ) ( وَاضْرِبْ لَهُمْ ) أي بين للناس وصف لهم ( مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا ) الفانية هو ( كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ ) أي التف وتكاثف بسبب الماء ( نَباتُ الْأَرْضِ ) حتى خالط بعضه بعضا ( فَأَصْبَحَ ) أي فصار « 6 » النبات ( هَشِيماً ) أي متفرق الأجزاء ليبسه ( تَذْرُوهُ الرِّياحُ ) أي تثيره فتذهب « 7 » به ، شبه حال الدنيا في نضرتها وبهجتها وما يتعقبها من الفناء والهلاك بحال نبات حسن فيبس فتكسر ففرقته الريح فانعدم ( وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ) من الإنشاء والإفناء ( مُقْتَدِراً ) [ 45 ] أي قادرا . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 46 ] الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ( 46 ) قوله ( الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا ) يتجمل بهما هنا ، فيه تزهيد للمؤمنين فيها وتوبيخ للمفتخرين بها ، يعني الزينة التي يفتخر « 8 » بها الأغنياء ليست من زاد « 9 » الآخرة ( وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ ) أي الأعمال الصالحات التي يبقى ثمرتها للإنسان ، وقيل : « الصلوات الخمس » « 10 » ، وقيل : « سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر » « 11 » ( خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ) أي أفضل ( ثَواباً ) من هذه الزينة ( وَخَيْرٌ أَمَلًا ) [ 46 ] أي أفضل ما يأمله الإنسان ويرجوه عند اللّه تعالى أو أفضل مما يرجو الكافر من الثواب وهو النار ، روي أنه صلّى اللّه عليه وسلم خرج على قومه وقال : « خذوا جنتكم ، قالوا : يا رسول اللّه أمن عدوه حضر ؟ قال : لا بل من النار ، قالوا : وما جنتنا من النار ؟ قال : سبحان اللّه إلى آخر الكلمات » « 12 » ، وهن الباقيات الصالحات ، وقال أيضا : « لأن أقول سبحان اللّه إلى آخره أحب إلي

--> ( 1 ) « ولم تكن » : قرأ الأخوان وخلف بياء التذكير ، والباقون بتاء التأنيث . البدور الزاهرة ، 192 . ( 2 ) أخذه المفسر عن الكشاف ، 3 / 209 . ( 3 ) « الولاية » : كسر الواو الأخوان وخلف وفتحها غيرهم . البدور الزاهرة ، 192 . ( 4 ) « الحق » : قرأ أبو عمرو والكسائي برفع القاف ، والباقون بخفضها . البدور الزاهرة ، 192 . ( 5 ) « عقبا » : أسكن القاف عاصم وخلف وحمزة ، وضمها غيرهم . البدور الزاهرة ، 192 . ( 6 ) فصار ، ح ي : صار ، و . ( 7 ) فتذهب ، ح ي : فيذهب ، و . ( 8 ) يفتخر ، ح و : يفخر ، ي . ( 9 ) من زاد ، و : بزاد ، ح ي ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 571 . ( 10 ) عن مسروق ، انظر السمرقندي ، 2 / 301 . ( 11 ) عن مجاهد ، انظر السمرقندي ، 2 / 301 . ( 12 ) انظر السمرقندي ، 2 / 301 . ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث الصحيحة التي راجعتها .