أحمد بن محمود السيواسي
48
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 37 ] قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً ( 37 ) ( قالَ لَهُ ) أي للكافر ( صاحِبُهُ ) المسلم ( وَهُوَ يُحاوِرُهُ ) أي يراجعه الكلام باستفهام التقرير ( أَ كَفَرْتَ ) أي صرت كافرا ( بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ) أي من آدم وهو من تراب ( ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ) أي من مني ( ثُمَّ سَوَّاكَ ) أي عدلك وكملك ( رَجُلًا ) [ 37 ] أي إنسانا ذكرا بالغا مبلغ الرجال ، فجعله كافرا باللّه جاحدا لنعمه لشكه بالبعث « 1 » . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 38 ] لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً ( 38 ) قوله ( لكن ) باثبات الألف وحذفها « 2 » ، استدراك لمضمون قول الكافر ، أي أنت كافر باللّه لكني مؤمن موحد لا أقول كما تقول أنت ، بل أقول ( هُوَ اللَّهُ رَبِّي ) أي خالقي ورازقي ( وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً ) [ 38 ] قوله « لكِنَّا » أصله « لكن أنا » ، حذفت الهمزة بعد نقل الحركة إلى النون الأولى ، وأدغمت في الثانية وهو ضمير الشأن ، أي الشأن اللّه ربي ، والجملة خبر « أنا » والراجع إليه منها ياء الضمير في « ربي » . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 39 ] وَلَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً ( 39 ) ( وَلَوْ لا ) أي هلا ( إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ ) أي الأمر « ما شاءَ اللَّهُ » بمعنى الأمر الذي شاءه « 3 » اللّه كان ، يعني هلا قلته عند دخولك جنتك إذ أعجبك « 4 » حسن جنتك لتشكره على أنعامه ، لأنه إقرار بأن كل خير فيها انما حصل بمشية اللّه ، والأمر كله بيده إن شاء تركها عامرة وإن شاء خربها ( لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ) أي بعونه لا بقوتي اعترافا بأن ما قويت به على عمارتها ، انما هو بمعونته لا بنفسك ، وبذلك قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « من أعطي خيرا فيقول عنده ما شاء اللّه لا قوة إلا باللّه لم ير فيه مكورها » « 5 » ، قوله ( إِنْ تَرَنِ ) شرط مجزوم ب « إِنْ » ، أي إن رأيتني ( أَنَا أَقَلَّ ) « أَنَا » ضمير فصل يقع بين المبتدأ والخبر المعرفتين أو إذا كان الخبر مشابها بالمعرفة كأفعل التفضيل ليفصل بين كونه نعتا وخبرا ، و « أَقَلَّ » مفعول ثان ل « ترى » ، والمفعول الأول ياء المتكلم فيه ، يعني إن ترني أقل ( مِنْكَ مالًا وَوَلَداً ) [ 39 ] في الدنيا فتكبرت وتعظمت عليه . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 40 ] فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً ( 40 ) ( فَعَسى ) أي لعل ( رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ ) هذه في الآخرة ( وَيُرْسِلَ عَلَيْها ) أي على جنتك في الدنيا ( حُسْباناً ) جمع حسبانة وهي الصاعقة أو مصدر بمعنى « 8 » الحساب وهو الحكم بتخريبها ( مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ ) أي فتصير ( صَعِيداً زَلَقاً ) [ 40 ] أي أرضا ملساء يزلق عليها قدم . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 41 ] أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً ( 41 ) ( أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً ) أي غائرا ذاهبا في الأرض ( فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً ) [ 41 ] أي حيلة تدركه بها ، المعنى : أني أرجو أن يرزقني اللّه جنة أفضل من جنتك ويهلك جنتك . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 42 ] وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً ( 42 ) ( وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ) أي أهلكت ثمرته ( فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ ) ندما وتحسرا كما هو عادة النادمين ( عَلى ما أَنْفَقَ فِيها ) أي في عمارتها ( وَهِيَ خاوِيَةٌ ) أي خالية ساقطة ( عَلى عُرُوشِها ) أي على دعائمها « 9 » ، ثم سقط الكروم عليها ، قيل : « أرسل اللّه نارا عليها فأحرقتها » « 10 » ( وَيَقُولُ ) الكافر ( يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً ) [ 42 ] فتذكر
--> ( 1 ) بالبعث ، ح ي : في البعث ، و . ( 2 ) « لكن » : قرأ الشامي وأبو جعفر ورويس باثبات الألف بعد النون وصلا ، والباقون بحذفها ، وأجمعوا على إثباتها وقفا اتباعا للرسم . البدور الزاهرة ، 192 . ( 3 ) شاءه ، ح ي : شاء ، و . ( 4 ) إذ أعجبك ، وي : إذا أعجبك ، ح . ( 5 ) انظر السمرقندي ، 2 / 300 . ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث الصحيحة التي راجعتها . ( 8 ) بمعنى ، ح ي : لمعنى ، و . ( 9 ) على دعائمها ، ح : دعائمها ، وي . ( 10 ) نقله المؤلف عن الكشاف ، 3 / 208 .