أحمد بن محمود السيواسي
47
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
للعروس ، وخص الاتكاء ، لأنه هيئة المتنعمين والملوك على أسرتهم ( نِعْمَ الثَّوابُ ) ذلك وهو المخصوص بالمدح ( وَحَسُنَتْ ) الجنة ( مُرْتَفَقاً ) [ 31 ] أي متكأ ومنزلا للاستراحة فيه . [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 32 إلى 33 ] وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً ( 32 ) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً ( 33 ) قوله ( وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا ) أمر للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بضرب مثل لهم ليعتبروا فيؤمنوا ، وتقديره : اضرب لهم مثلا مثل ( رَجُلَيْنِ ) أي مثل حال الكافرين من أهل مكة والمؤمنين بحال رجلين ، وكانا أخوين من بني إسرائيل ، أحدهما كافر اسمه قطروس ، والآخر مسلم اسمه يهوذا ، ورثا من أبيهما مالا عظيما ، قيل : هو ثمانية آلاف دينار « 1 » ، فاقتسماه فصرف المؤمن ماله في أبواب البر ، وصرف الكافر ماله في أسباب « 2 » المكاسب كالبساتين والمزارع ، ثم وصف حالهما بقوله ( جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ ) أي بستانين « 3 » من كروم ( وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ ) أي أحطناهما بأشجار مثمرة ، فصار النخل محيطا بالجنتين ( وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً ) [ 32 ] يقتات به ، أي جمعت أرضهما أنواع الفواكه والأقوات ، وجعلت متواصلة متشابكة مستحسنة الشكل واللون ، وافية الأثمان ، تامة الأكل من غير نقص ، مسقية بأفضل ما يسقى به وهو النهر الجاري ، وأشار إلى ذلك بقوله ( كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ) أي أثمارها ، وإفراد « آتَتْ » حمل على لفظ « كِلْتَا » ، ولو قيل « آتتا » لجاز حملا على المعنى ( وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ ) أي لم تنقص من حملها ( شَيْئاً ) بل آتت به في غاية الكمال ( وَفَجَّرْنا ) أي أجرينا ( خِلالَهُما ) أي وسطهما ( نَهَراً ) [ 33 ] يجري بينهما ، وجاز بسكون الهاء لغة . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 34 ] وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً ( 34 ) ( وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ ) أي حصل لصاحب البستان ثمر بفتحتين جمع ثمرة وهو المجني من الفاكهة ، وقرئ « ثمر » بالسكون ، و « ثمر » بضمتين جمع ثمار وهو جمع ثمرة « 4 » ، وذكر الثمرة بعد ذكر الجنتين وإن كانت الجنة لا تخلو عنها إيذان بكثرة الحاصل له في الجنتين من الثمار وغيرها ( فَقالَ ) الكافر صاحب الجنتين ( لِصاحِبِهِ ) المؤمن ( وَهُوَ يُحاوِرُهُ ) أي يكلمه ويراجعه الكلام ، من حار يحور إذا رجع ، قيل : إنه أخذ يد أخيه المؤمن يطوف به الجنتين ليريه ما فيهما مفاخرا ومعجبا بما فيهما من المال له دون أخيه قائلا « 5 » ( أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً ) [ 34 ] أي أنصارا وحشما . [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 35 إلى 36 ] وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً ( 35 ) وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً ( 36 ) ( وَدَخَلَ ) الكافر ( جَنَّتَهُ ) أفردها إرادة للروضة ( وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ) بالكفر والإعجاب بما له ( قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ ) أي تنعدم ( هذِهِ ) مشيرا إلى جنته المثمرة ( أَبَداً [ 35 ] وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ ) أي القيامة ( قائِمَةً ) أي كائنة ( وَلَئِنْ رُدِدْتُ ) أي واللّه لئن رجعت ( إِلى رَبِّي ) أي إلى الآخرة بزعمك ( لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها ) أي من جنتي في الدنيا عنده ، وقرئ « منها » مفردا « 6 » ، أي من جنتي ( مُنْقَلَباً ) [ 36 ] تمييز ، أي مرجعا في الآخرة ، قال ذلك استهزاء ، وقيل : ادعاء لكرامته على اللّه « 7 » ، يدل عليه إقسامه بقوله وَلَئِنْ رُدِدْتُ » .
--> ( 1 ) أخذه المفسر عن البغوي ، 3 / 366 . ( 2 ) أسباب ، وي : أبواب ، ح . ( 3 ) بستانين ، ح ي : بساتين ، و . ( 4 ) « ثمر » : قرأ عاصم وأبو جعفر ويعقوب بفتح الثاء والميم وأبو عمر بضم الثاء وإسكان الميم ، والباقون بضم الثاء والميم . البدور الزاهرة ، 192 . ( 5 ) نقله عن الكشاف ، 3 / 207 . ( 6 ) « منها » : قرأ المدنيان والمكي والشامي بزيادة ميم بعد الهاء مع ضم الهاء على التثنية ، والباقون بحذف الميم وفتح الهاء على الإفراد . البدور الزاهرة ، 192 . ( 7 ) وهذا مأخوذ عن الكشاف ، 3 / 207 .