أحمد بن محمود السيواسي
46
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
لأنهم قوم أرذلون « 1 » ، فأمره اللّه تعالى بالصبر معهم ، أي احبس نفسك ( مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ) قوله ( بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ ) حال ، أي دائبين على الدعاء في كل وقت ، وقيل : « المراد الصلوات الخمس » « 2 » أو « صلاة الفجر والعصر » « 3 » ( يُرِيدُونَ ) بعبادتهم ( وَجْهَهُ ) تعالى لا شيئا آخر من أغراض الدنيا ( وَلا تَعْدُ ) أي لا تنصرف أو لا تجاوز ( عَيْناكَ عَنْهُمْ ) لرثاثة حالهم نظرا إلى زي الأغنياء ، قوله ( تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا ) حال من ضمير « تَعْدُ » ( وَلا تُطِعْ ) أي في طردهم ( مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا ) أي عن القرآن « 4 » والتوحيد بالخذلان ( وَاتَّبَعَ هَواهُ ) في الكفر ونيل مشتهاه ( وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ) [ 28 ] أي إسرافا ومجازاة للحد في التفريط ، لأنه نابذ للحق وراء ظهره ، فلما نزلت هذه الآية قال النبي عليه السّلام : « الحمد للّه الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم » « 5 » . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 29 ] وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً ( 29 ) ثم أمر اللّه النبي عليه السّلام أن يقول الحق الذي أرسلت به فقال ( وَقُلِ ) هو ( الْحَقُّ ) أي ترك طرد المؤمنين هو الحق ( مِنْ رَبِّكُمْ ) لا طردهم ، فإنه باطل ( فَمَنْ شاءَ ) الإيمان ( فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ ) الكفر ( فَلْيَكْفُرْ ) فلست بطاردهم من عندي لهواكم فاعملوا ما شئتم ( إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ) أي جاحدي الحق ( ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها ) وهي الحجب حول الفسطاط كالحائط ، قيل : هي دخان يحيط بالكفار قبل دخولهم النار « 6 » ، وقيل : حائط من نار يحيط بهم في النار وهي أربعة جدر كثف ، كل جدار أربعون سنة « 7 » ، قوله ( وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا ) يشير إلى أنهم عند ذلك يعطشون فيستغيثون ( بِماءٍ كَالْمُهْلِ ) وهو صديد أهل النار ، والمهل ما أذيب من جواهر الأرض ، وقيل : « دردي الزيت » « 8 » ، ثم وصف المهل بقوله ( يَشْوِي الْوُجُوهَ ) أي ينضجها من حره ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « هو كعكر الزيت فإذا قرب إلى الكافر ليشرب سقطت فروة وجهه » « 9 » ( بِئْسَ الشَّرابُ ) ذلك وهو المخصوص بالذم ( وَساءَتْ ) النار ( مُرْتَفَقاً ) [ 29 ] أي متكئا ومنزلا للاستراحة ، واتيانه هنا لمشاكلة قوله « وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً » وإلا فلا ارتفاق ولا اتكأ لأهل النار . [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 30 إلى 31 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً ( 30 ) أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً ( 31 ) ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ) بالقرآن ( وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) بما فيه ، قوله ( إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ) [ 30 ] منهم خبر « إِنَّ الَّذِينَ » ، ويجوز أن يكون « إِنَّا لا نُضِيعُ » الآية اعتراضا ، والخبر ( أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ ) أي إقامة وخلود فيها ( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ ) الأربعة من الخمر واللبن والعسل والماء العذب ( يُحَلَّوْنَ فِيها ) أي يلبسون في الجنة ( مِنْ أَساوِرَ ) جمع أسورة وهي جمع سوار وهو ما يلبس في اليد من حلقة ، « مِنْ » فيه ابتداء ، و « مِنْ » في ( مِنْ ذَهَبٍ ) بيان ، قيل : « يحلى كل واحد منهم ثلاثة أسورة من ذهب ومن فضة ومن لؤلؤ ويواقيت » « 10 » ( وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ ) جمع سندسة ، وهي ما رق من الديباج ( وَإِسْتَبْرَقٍ ) جمع استبرقة وهي ما غلظ من الديباج المنسوج بالذهب ، وجمع بينهما جمعا بين النوعين ، قوله ( مُتَّكِئِينَ ) حال من ضمير « يَلْبَسُونَ » ( فِيها عَلَى الْأَرائِكِ ) جمع أريكة وهي السرير في الحجال ، جمع حجلة وهي بيت يزين بالثياب
--> ( 1 ) وهذا مأخوذ عن الكشاف ، 3 / 205 . ( 2 ) نقله المفسر عن السمرقندي ، 2 / 297 . ( 3 ) أخذه عن الكشاف ، 3 / 205 . ( 4 ) عن القرآن ، ح : القرآن ، وي . ( 5 ) انظر البغوي ، 3 / 563 . ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث المعتبرة التي راجعتها . ( 6 ) نقله عن الكشاف ، 3 / 206 . ( 7 ) اختصره المؤلف من البغوي ، 3 / 564 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 3 / 206 . ( 8 ) عن ابن عباس ، انظر البغوي ، 3 / 565 . ( 9 ) رواه الترمذي ، صفة جهنم ، 4 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 565 ؛ والكشاف ، 3 / 206 . ( 10 ) عن سعيد بن جبير ، انظر البغوي ، 3 / 565 .