أحمد بن محمود السيواسي
36
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 107 ] قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً ( 107 ) ( قُلْ ) يا محمد تهديدا لهم ( آمِنُوا بِهِ ) أي بالقرآن ( أَوْ لا تُؤْمِنُوا ) به ، فان اللّه غني عنكم وعن إيمانكم ، وفيه أمر له عليه السّلام بالإعراض عنهم لاحتقارهم شأنهم ، ثم أخبر توبيخا لهم وتعييرا بأن خيرا منهم وأفضل من علماء أهل الكتاب ، قد آمنوا به وصدقوه وثبت عندهم أنه النبي العربي الموعود في كتبهم ، فإذا تلي القرآن عليهم خروا سجدا للّه تعظيما لأمره بقوله ( إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) وهو في معنى التعليل ل « آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا » ، أي لأنهم أعطوا علم كتابهم وهم مؤمنو أهل الكتاب ( مِنْ قَبْلِهِ ) أي قبل القرآن أو قبل محمد عليه السّلام ( إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ ) أي يعرض عليهم القرآن فيعرفونه ( يَخِرُّونَ ) أي يسقطون ( لِلْأَذْقانِ ) أي على الوجوه ، فاللام بمعنى « على » أو المعنى : يجعلون الخرور مختصا بأذقانهم ، فاللام للاختصاص وخصت « الأذقان » بالذكر لأنها أقرب شيء من الوجه إلى الأرض ، وهي جمع ذقن ، والذقن ملتقى اللحيين « 1 » ( سُجَّداً ) [ 107 ] أي ساجدين شاكرا للّه تعالى . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 108 ] وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً ( 108 ) ( وَيَقُولُونَ ) في السجود ( سُبْحانَ رَبِّنا ) أي ننزهه تنزيها من الشرك ومن كل نقص في واحدانيته ( إِنْ كانَ ) أي إن الشأن كان ( وَعْدُ رَبِّنا ) الذي وعده بأن يبعث محمدا نبيا من العرب ( لَمَفْعُولًا ) [ 108 ] أي لكائنا حقا . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 109 ] وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً ( 109 ) ( وَيَخِرُّونَ ) أي ويسقطون ( لِلْأَذْقانِ ) أي على وجوههم ( يَبْكُونَ ) نصب على الحال من ضمير « يَخِرُّونَ » ( وَيَزِيدُهُمْ ) نزول القرآن ( خُشُوعاً ) [ 109 ] أي خضوعا لربهم أو لين القلب ورطوبة العين ، قيل : من أوتي من العلم ما لا يبكيه لخليق أن لا يكون أوتي علما ينفعه « 2 » ، وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « لا يلج من بكى من خشية اللّه تعالى » « 3 » ، وكرر الخرور للأذقان فيه لاختلاف الحالين ، حال السجود وحال البكاء . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 110 ] قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً ( 110 ) قوله ( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ ) نزل حين قال أهل الكتاب أنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر اللّه في التورية هذا الاسم « 4 » ، فقال تعالى قل يا محمد سموا ربكم اللّه أو سموه الرحمن ، فالدعاء بمعنى التسمية لا بمعنى النداء ، وإلا يلزم تعدد الآلهة ، ويجوز أن يكون نصب « اللَّهَ » و « الرَّحْمنَ » على نزع الخافض ، تقديره : نادوا ربكم باللّه أو بالرحمن فلا يلزم ذلك وهو يتعدى إلى مفعولين مثل دعوته زيدا وقد يذكر أحدهما ويترك الآخر استغناء عنه نحو دعوت زيدا أي سميته زيدا ، و « أَوِ » فيه للتخيير ، وقيل : نزل حين قال أبو جهل ينهانا محمد عن آلهتنا وهو يدعو إلهين « 5 » ، فقال تعالى ( أَيًّا ما تَدْعُوا ) أي أي هذين الاسمين سميتم أو ذكرتم ( فَلَهُ ) أي فلمسمى هذين الاسمين ( الْأَسْماءُ الْحُسْنى ) أي الصفات العلى ، فهذان الاسمان منها فيكونان حسنين و « أَيًّا » كلمة استفهام وشرط ، عمل فيها « تَدْعُوا » لاقتضائه مفعولا و « ما » زائدة لتأكيد الإبهام في « أي » ، و « تَدْعُوا » مجزوم ب « أي » ، لأنه شرط جازم يقتضي جزاء ، وقوله « فَلَهُ » جزاؤه ، والضمير فيه يرجع إلى مسمى هذين الاسمين ، وهو ذاته تعالى لأن التسمية للذات لا للاسم ، والأصل : أيا ما تدعوا منهما فهو حسن ، فوضع موضعه قوله « فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى » ، ومعنى كونه أحسن الأسماء أنها مستقلة بمعاني التحميد والتقديس
--> ( 1 ) اللحيين ، ب س : اللجبين ، م . ( 2 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها . ( 3 ) أخرجه مسلم ، فضائل الجهاد ، 8 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 536 . ( 4 ) عن الضحاك ، انظر الواحدي ، 249 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 3 / 196 ؛ والسمرقندي ، 2 / 287 . ( 5 ) عن ابن عباس ، انظر الواحدي ، 249 ؛ والكشاف ، 3 / 196 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 287 .