أحمد بن محمود السيواسي

32

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

رَبِّكَ ) أو تقريره : لكنا رحمناك رحمة تركته غير مذهوب به ، فيكون استثناء منقطعا ( إِنَّ فَضْلَهُ ) أي عطاء ربك ( كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً ) [ 87 ] أي فضلا عظيما لإعطائك الإسلام دينا واصطفائك بالرسالة من بينهم وبالنصرة والغلبة عليهم وبتنزيل القرآن إليك وبابقائه محفوظا عليك ، وفيه امتناع عظيم على أهل العلم والقرآن ببقاء القرآن محفوظا بعد المنة العظيمة في تنزيله وتحفيظه في الصدور والمصاحف ، فعليهم أن لا يغفلوا عن هاتين المنتين والقيام بشكرهما ، قيل : هذه المصاحف ترفع فكيف بما في الصدور « 1 » ، عن ابن عمر : « لا تقوم الساعة حتى يرفع القرآن من حيث نزل ، له دوي كدوي النحل ، يقول الرب : ما لك ؟ فيقول يا رب كنت أتلى ولا يعمل بي » « 2 » . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 88 ] قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ( 88 ) ونزل حين قال الكفار لو نشاء لقلنا مثل هذا « 3 » ( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ ) متظاهرين ( عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ ) في بلاغته وحسن نظمه وإعجازه والإخبار عن الغيوب مع ما ضمن فيه من الأحكام والحدود وغيرهما مما لا يعرف إلا بالوحي ( لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ) جواب قسم محذوف لا جواب الشرط ، ولولا اللام الموطئة لجاز أن يكون « لا يَأْتُونَ » مع النون جواب الشرط ، لأن الشرط وهو اجتمعت وقع ماضيا لا يعمل فيه الأداة ، فجاز أن لا يعمل في الجواب ، المعنى : أنهم عاجزون عن الاتيان بمثله لأنه كلام في أعلى طبقات الكلام من البلاغة لا يشبه كلام الخلق ( وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) [ 88 ] أي معينا . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 89 ] وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً ( 89 ) ( وَلَقَدْ صَرَّفْنا ) أي كررنا ( لِلنَّاسِ ) بالبيان ( فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ) أي من كل شيء هو كالمثل في الغرابة والحسن لما فيه من الأخبار العجيبة والأحكام والأمثال والوعد والوعيد والعبر ( فَأَبى ) أي امتنع ( أَكْثَرُ النَّاسِ ) عن القبول أو عن الشكر ( إِلَّا كُفُوراً ) [ 89 ] أي جحودا أو كفرانا مكان الشكر وهذا استثناء مفرغ في المفعول ، لأن « أبى » هنا في معنى لم يرضوا . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 90 ] وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ( 90 ) ( وَقالُوا ) أي قال عبد اللّه بن أبي أمية وأصحابه للنبي عليه السّلام ( لَنْ نُؤْمِنَ ) أي لن نصدق ( لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا ) بضم التاء وكسر الجيم مشددا من التفجير ، وبفتح التاء وضم الجيم مخففا « 4 » ، أي تشقق ( مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ) [ 90 ] أي عينا يخرج منها الماء . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 91 ] أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً ( 91 ) ( أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ ) أي بستان ( مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ) أي تشقق ( الْأَنْهارَ خِلالَها ) أي وسطها ( تَفْجِيراً ) [ 91 ] أي تشقيقا ظاهرا ، والتشديد فيه إجماعي لذكر الجمع بعده وهو « الْأَنْهارَ » ، يقال فجرت نهرا بالتخفيف ، لأن مفعوله واحد ، وفجرت الأنهار بالتشديد لكون مفعوله جمعا ، وقد يذكر بالتشديد في الواحد أيضا إذا قصد المبالغة فيه . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 92 ] أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً ( 92 ) ( أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ ) بقولك إن نشأ نخسف بهم الأرض أن نسقط عليهم كسفا من السماء

--> ( 1 ) نقله المصنف عن البغوي ، 3 / 527 . ( 2 ) انظر البغوي ، 3 / 527 . ( 3 ) أخذه المفسر عن البغوي ، 3 / 527 . ( 4 ) « تفجر » : قرأ الكوفيون ويعقوب بفتح التاء وإسكان الفاء وضم الجيم وتخفيفها ، والباقون بضم التاء وفتح الفاء وكسر الجيم وتشديدها ، وأجمعوا على تشديد « فتفجر الأنهار » . البدور الزاهرة ، 188 .