أحمد بن محمود السيواسي

312

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

[ سورة سبإ ( 34 ) : آية 9 ] أَ فَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ( 9 ) ( أَ فَلَمْ يَرَوْا ) أي أعموا فلم ينظروا ( إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ) أي أمامهم ( وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ) فإنهما أمامهم وخلفهم حيث ما كانوا وساروا محيطتان بهم لا يقدرون أن ينفذوا من أقطارهما « 1 » وأن يخرجوا من ملكوت اللّه ولم يخافوا أن يعذبهم ( إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ ) بالنون وبالياء في الثلاثة « 2 » ( كِسَفاً ) بفتح السين وسكونها « 3 » ، أي قطعة ( مِنَ السَّماءِ ) لتكذيبهم الآيات وكفرهم بالرسول عليه السّلام وبما جاء به كما فعلنا بقارون وأصحاب الأيكة ( إِنَّ فِي ذلِكَ ) أي النظر إلى السماء والأرض والفكر فيهما وما يدلان عليه من عظم قدرته ووحدانيته ( لَآيَةً ) أي لعبرة ( لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ) [ 9 ] أي راجع إلى ربه مطيع له . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 10 ] وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ( 10 ) ثم أورد قصة داود وسليمان ليعتبر من يسمعها منها فقال ( وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا ) أي ملكا ونبوة أو حسن الصوت والقوة وتليين الحديد وقلنا ( يا جِبالُ أَوِّبِي ) أي رجعي ( مَعَهُ ) التسبيح ، من الأوب وهو الرجوع وسمي التسبيح تأويبا ، لأن المسبح يسبح مرة بعد مرة ، وكان داود عليه السّلام إذا سبح سمع تسبيح الجبال ويعقل معناه معجزة له كما سمع موسى النداء من الشجرة وعقل معناه ، وكل ذلك بخلق اللّه تعالى فيهما ، قوله ( وَالطَّيْرَ ) بالنصب عطف على محل ال « جِبالُ » بمعنى يا طير أوبي وكانت الطير تؤب « 4 » معه التسبيح بأصواتها ، وفي ذلك من الفخامة من جعل الجبال والطير بمنزلة العقلاء يقبل الطاعة إذا أمروا والإجابة له « 5 » إذا دعوا أو كان داود ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين ، وتسعده الجبال بأصداءها والطير بأصواتها ( وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ) [ 10 ] أي جعلناه « 6 » له لينا كالشمع فلا يحتاج إلى نار ومطرقة ويصرفه بيده كيف يشاء ، وقيل : لان الحديد في يده لما أوتي من شدة القوة « 7 » . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 11 ] أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 11 ) ( أَنِ اعْمَلْ ) أي قلنا له اعمل ( سابِغاتٍ ) أي دروعا واسعات ، ف « أَنِ » تفسيرية ، وهو أول من عملها وكانت قبل صفائح ( وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ ) وهو نسج الدروع وتأليفها على قدر الحاجة بلا مجاوزة للحد في شيء منها ، أي لا تجعل المسامير دقاقا فيقلق ولا غلاظا فتفصم الحلق ، قال صلّى اللّه عليه وسلم : « كان داود لا يأكل إلا من كسب يده « 8 » ، وكان يعمل كل يوم درعا ثم كان يبيع الدرع بأربعة آلاف درهم فينفق منها على نفسه وعياله ويتصدق على الفقراء ، ثم خاطب اللّه وأهله بقوله ( وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) [ 11 ] أي عالم بعملكم فأجازيكم به كيف يكون . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 12 ] وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ ( 12 ) ثم عطف على داود بتقدير « آتينا » قوله ( وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ ) بالنصب ، أي وسخرنا له الريح ، وقرئ بالرفع « 9 » ، أي « 10 » ولسليمان الريح مسخرة ( غُدُوُّها شَهْرٌ ) أي جريها بالغداة مسيرة شهر ( وَرَواحُها شَهْرٌ ) أي

--> ( 1 ) من أقطارهما ، وي : من أقطارها ، ح . ( 2 ) « إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ » : قرأ الأخوان وخلف بالياء التحتية في الأفعال الثلاثة ، والباقون بالنون فيها . البدور الزاهرة ، 259 . ( 3 ) « كسفا » : فتح حفص السين وأسكنها غيره . البدور الزاهرة ، 259 . ( 4 ) تؤب ، و : يؤب ، ح ي . ( 5 ) له ، و : - ح ي . ( 6 ) جعلناه ، و : جعلنا ، ح ي . ( 7 ) نقله المفسر عن الكشاف ، 5 / 61 . ( 8 ) رواه البخاري ، البيوع ، 15 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 4 / 498 . ( 9 ) « الريح » : قرأ شعبة برفع الحاء وغيره بنصبها ، وقرأ أبو جعفر بالجمع وغيره بالإفراد . البدور الزاهرة ، 259 . ( 10 ) أي ، و : على ، ح ي .