أحمد بن محمود السيواسي

313

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

وجريها بالعشي كذلك ( وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ) وهو النحاس المذاب من القطران والمراد من « عَيْنَ الْقِطْرِ » معدن النحاس ، ولكنه أسأله كما ألان الحديد لداود عليه السّلام فنبع كما ينبع الماء ، فكان من باب « إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً » « 1 » ، قيل : كان يسيل في الشهر ثلاثة أيام « 2 » ، وكل ما يعمل الناس اليوم مما أعطي لسليمان ( وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ ) أي سخرنا له من الجن من يعمل ( بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ) أي بأمره ( وَمَنْ يَزِغْ ) أي يمل ( مِنْهُمْ ) أي من الجن ( عَنْ أَمْرِنا ) الذي أمرناه به من طاعة سليمان ( نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ ) [ 12 ] أي النار وهو عذاب الآخرة ، وقيل : « كان معه ملك بيده سوط من نار فمن استعصى منهم عن طاعته ضربه به من حيث لا يراه الجني » « 3 » . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 13 ] يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ( 13 ) ( يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ ) أي الأماكن الشريفة كالقصور والحصون ، وقيل : المساجد وإنما سميت محاريب لأنه يحارب عليها ويلتجأ إليها في الشدة « 4 » ( وَتَماثِيلَ ) أي وصورا من زجاج ونحاس وصفر ورخام ليراها الناس فيفرحوا بها فيعبدوا اللّه كما يعبده أربابها ، فان الشياطين كانوا يعملون في المساجد صور الملائكة والأنبياء والصالحين من هذه الأجسام لاقتداء الناس بهم في العبادة ، وكان ذلك جائزا في شريعته عليه السّلام ، لأنه ليس من مقبحات العقل ، قوله « 5 » ( وَجِفانٍ كَالْجَوابِ ) بالياء في الوصل والوقف أو في الوصل وبغير الياء فيهما « 6 » ، وال « جفان » جمع جفنة وهي القصعة العظيمة ، و « الجوابي » جمع الجابية وهي الحوض الكبير لأن الماء يجبى فيه ، أي يجمع ، قيل : كان يقعد على الجفنة ألف رجل للأكل منها « 7 » ( وَقُدُورٍ راسِياتٍ ) أي ثابتات عاليات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها وكان يصعد عليها بالسلاليم ، قوله ( اعْمَلُوا آلَ داوُدَ ) حكاية ما قيل لداود وآله ، أي وقلنا اعملوا يا آل داود عملا للّه ( شُكْراً ) أي على وجه الشكر لنعمائه أو اشكروا شرا للّه أو اعملوا شاكرين له « 8 » ( وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ) [ 13 ] وهو من يرى عجزه عن الشكر ، وقيل : هو الباذل وسعه في أداء الشكر بقلبه ولسانه وجوارحه اعتقادا واعترافا « 9 » . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 14 ] فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ ( 14 ) ( فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ) أي لما مات سليمان ( ما دَلَّهُمْ ) أي ما دل الشياطين ( عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ ) وهي الأرضة دويبة تأكل الخشبة من الأرض بالحركة والسكون مصدر وهو فعلها فأضيفت إليه ، فقيل : دابة الأرض بمعنى دابة الأكل يقال أرضت الخبشة أرضا إذا أكلتها الأرضة « 10 » ( تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ ) أي عصاه لأنه ينسأ بها ويطرد ويؤخر ( فَلَمَّا خَرَّ ) أي سقط سليمان ميتا ( تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ ) أي ظهر أمرهم للإنس ، وكانت الإنس تزعم أن الجن تعلم الغيب ، قوله ( أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ ) [ 14 ] بدل من « الْجِنُّ » بدل اشتمال ، أي ظهر للإنس أن الجن لو علموا الغيب ما لبثوا في العذاب الشديد وهو التسخير والمشاق مدة موت سليمان ، لأنهم كانوا يعملون الأعمال الشاقة في مماته كحياته . روي : أنه دخل بيت المقدس متحنثا يوما وقال : اللهم عم موتي على الجن حتى تعلم الإنس أن الجن لا تعلم الغيب ، وكانت الجن تسرق السمع ويموهون على الإنس أنهم يعلمون الغيب وكانت الجن تعمل أعمالها كما

--> ( 1 ) يوسف ( 13 ) ، 36 . ( 2 ) أخذه عن الكشاف ، 5 / 61 . ( 3 ) عن ابن عباس والسدي ، انظر الكشاف ، 5 / 61 - 62 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 3 / 68 . ( 4 ) لعله اختصره من الكشاف ، 5 / 62 . ( 5 ) قوله ، ي : - ح و . ( 6 ) « كالجواب » : قرأ ورش وأبو عمرو باثبات الياء وصلا وابن كثير ويعقوب باثباتها في الحالين ، والباقون بحذفها كذلك . البدور الزاهرة ، 259 . ( 7 ) وقد أخذه عن البغوي ، 4 / 500 . ( 8 ) له ، ح و : اللّه ، ي . ( 9 ) هذا مأخوذ عن الكشاف ، 5 / 62 . ( 10 ) نقل المفسر هذا المعنى عن الكشاف ، 5 / 62 .