أحمد بن محمود السيواسي
29
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
ال « قُرْآنَ » إلى « الْفَجْرِ » حثا « 1 » على طول القراءة في صلاة الفجر ، لأنها يكثر عليها في العادة ليستمعوا القرآن ، فيكثر الثواب « 2 » ، وقيل : نصبه على الإغراء ، أي وعليك بقرآن الفجر « 3 » ( إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ) [ 78 ] لأن من حقه أن يشهده « 4 » الجماعة الكثيرة أو كونه مشهودا بأن يشهده ملائكة الليل وملائكة النهار إذا صعد هؤلاء نزل هؤلاء . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 79 ] وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً ( 79 ) ( وَمِنَ اللَّيْلِ ) أي وقم بعض الليل بعد نومك ( فَتَهَجَّدْ بِهِ ) أي فاسهر للصلاة بالقرآن والتهجد قيام الليل بعد النوم للصلاة وكانت صلاة الليل فرضا على النبي عليه السّلام وأمته في الابتداء ، فنسخ الوجوب في حق الأمة بالصلوات الخمس وبقي الاستحباب ، وأما في حق النبي عليه السّلام فلم ينسخ لقوله عليه السّلام : « ثلث هن علي فريضة وهي لكم سنة ، الوتر والسواك وقيام الليل » « 5 » ، فقوله ( نافِلَةً لَكَ ) نصب على الحال ، أي صلاة نافلة أو مصدر في موضع تهجدا من غير لفظه ، ومعناه : فريضة زائدة على سائر الفروض ، فرضها اللّه عليك وذهب قوم إلى أن الوجوب صار منسوخا في حقه كما في حق الأمة فصارت نافلة ، أي زائدة دون فرض لقوله « لَكَ » لا عليك ، قيل : فما معنى التخصيص بقوله « لَكَ » إذا لم يكن فرضا عليه كما لم يكن على الأمة ؟ أجيب بأن التخصيص لرفع الدرجات في حقه ، لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، والزيادة في حق الأمة كفارة لذنوبهم وتتميم لصلواتهم « 6 » ، قالت عائشة رضي اللّه عنها : « ما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يزيد في ليالي رمضان ولا غيره إحدى عشرة ركعة يصلي أربعا ، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ، ثم يصلي ، ثم يصلي ثلاثا ، قالت : فقلت يا رسول اللّه أتنام قبل أن توتر ؟ قال عليه السّلام : يا عائشة تنام عيناي ولا تنام قلبي » « 7 » ، وفي رواية : « يسلم من كل ركعتين ويوتر بواحدة ويسجد سجدتين قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه » « 8 » ، قوله ( عَسى ) من اللّه واجب أن يفعل ما يطمع منه عباده ، يتعلق بقوله « أقم » ، أي دم على ما أمرت من إقامة الصلاة بالليل والنهار رجاء ( أَنْ يَبْعَثَكَ ) يوم القيامة ( رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً ) [ 79 ] وهو نصب على الظرف ، أي يثبتك في المقام المحمود ، وهو مقعد على العرش ، وقيل : على الكرسي « 9 » ، والأكثر أنه مقام الشفاعة ، لأنه يحمده فيه الأولون والآخرون لما روي عن النبي عليه السّلام : « هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي وهي نائلة من أمتي لكل من مات ولم يشرك باللّه شيئا » « 10 » ، روي عن عبد اللّه بن عمر : « أن الشمس تدنو يوم القيامة حتى تبلغ العرق نصف الأذن فبيناهم كذلك استغاثوا بآدم ، ثم بموسى ثم بمحمد ، فيشفع ليقضي بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب فيومئذ يبعثه اللّه مقاما محمودا ، يحمده أهل الجمع كلهم » « 11 » ، وهو الوسيلة في الحديث ، قال رسول اللّه عليه السّلام : « إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ، ثم صلوا علي ، فمن صلى علي صلاة صلى اللّه عليه بها عشرا ، ثم سلوا إلى الوسيلة ، فإنها منزلة في الجنة لا ينبغي أن يكون إلا لعبد من عباد اللّه ، وأنا أرجو أن أكون أنا هو ، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة » « 12 » .
--> ( 1 ) ويجوز أن يكون إضافة القرآن إلى الفجر حثا ، ب : - س . ( 2 ) كما سميت ركوعا . . . ليستمعوا القرآن فيكثر الثواب ، ب س : - م ، مع وصف الطول والكثرة ، + م . ( 3 ) نقله عن السمرقندي ، 2 / 280 . ( 4 ) أن يشهده ، س م : أن يشهد ، ب . ( 5 ) أخرج أحمد بن حنبل نحوه ، 1 / 231 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 516 . ( 6 ) نقله المفسر عن البغوي ، 3 / 516 . ( 7 ) روى أحمد بن حنبل نحوه ، 5 / 40 ، 49 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 517 . ( 8 ) أخرجه النسائي ، السهو ، 74 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 517 . ( 9 ) ولم أعثر عليه في المصادر التفسيرية التي راجعتها . ( 10 ) روى أحمد بن حنبل نحوه ، 2 / 441 ، 528 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 518 . ( 11 ) انظر البغوي ، 3 / 520 . ( 12 ) أخرجه مسلم ، الصلاة ، 11 ؛ والترمذي ، المناقب ، 1 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 518 .