أحمد بن محمود السيواسي
30
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 80 ] وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً ( 80 ) ثم قال تعالى بعد خروجه من مكة مهاجرا إلى المدينة ( وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي ) في المدينة ( مُدْخَلَ صِدْقٍ ) أي إدخال صدق ، يعني بالسلامة ونيل المراد ( وَأَخْرِجْنِي ) من المدينة ( مُخْرَجَ صِدْقٍ ) أي إخراج صدق إلى مكة ، يعني بالفتح والظهور عليها أو أدخلني في القبر مرضيا طاهرا من الذنوب وأخرجني من القبر مرضيا إلى البعث ملقى بالكرامة آمنا من السخط ( وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ) أي من حضرتك ( سُلْطاناً نَصِيراً ) [ 80 ] أي برهانا بينا قاهرا أعداء الدين بنصر دينك على جميع الأديان ، فوعده اللّه لننزعن ملك فارس والروم وغيرهما ، فنجعله لك ، ويشهد عليه قوله « لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ » « 1 » و « يَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ » « 2 » . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 81 ] وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ( 81 ) ( وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ ) أي القرآن ( وَزَهَقَ الْباطِلُ ) أي ذهب الشيطان أو جاء الإسلام وزال الشرك أو جاء عبادة الحق وذهب عبادة الصنم ، والزهوق خروج النفس من البدن ، وأكد ذلك بما هو كالمثل السائر ، وهو قوله ( إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ) [ 81 ] أي مضمحلا غير ثابت في كل وقت . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 82 ] وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَساراً ( 82 ) ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ ) للقلوب من الجهل والضلالة ، و « مِنَ » للتبعيض أو للتبيين ، أي كل شيء نزل من القرآن فهو شفاء ( وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) لازدياد إيمانهم به ولصلاح دينهم بما فيه كالشفاعة للمريض أو شفاء حقيقة للأجسام لما فيه من البركة ، قال عليه السّلام : « من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه اللّه » « 3 » ( وَلا يَزِيدُ ) القرآن ( الظَّالِمِينَ ) أي المكذبين به ( إِلَّا خَساراً ) [ 82 ] أي نقصانا ، لأنهم ينكرون القرآن فيخسرون . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 83 ] وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً ( 83 ) ( وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ ) أي الكفار بكشف البلاء عنه وبسعة الرزق عليه ( أَعْرَضَ ) عن ذكر اللّه وعن التضرع والالتجاء إليه كأنه مستغن عنه « 4 » ( وَنَأى بِجانِبِهِ ) أي تباعد جانبه عن الحق وترك التقرب إليه بالدعاء ، وقيل : « تعظم وتكبر » « 5 » ، ولم يلتفت إليه ، وهو تأكيد للإعراض ، لأن الإعراض عن الشيء أن يوليه عرض وجهه وهو جانبه ، والنائ بجانبه أن يعوج عن عطفه ويدبر ظهره « 6 » ، قرئ بفتح النون والهمزة ، وبكسرهما ، وبفتح النون وكسر الهمزة ، وبكسر النون وفتح الهمزة ، وبإمالة الهمزة وبين بين وناء مثل جاء « 7 » ( وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ ) أي الضر في الجسد والشدة في المعيشة ( كانَ يَؤُساً ) [ 83 ] أي قنوطا عن رحمة اللّه فيترك الدعاء إليه أو معناه : أن يتضرع ويدعو عن الشدة ، فإذا تأخرت الإجابة ترك الدعاء ولا ينبغي للمؤمن أن ييأس من الإجابة وإن تأخرت فيدع الدعاء . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 84 ] قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً ( 84 ) ( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ ) أي كل واحد من الناس يعمل على طريقته التي اختارها من طرق الضلالة والهدى لنفسه ، وهي من الشكل وهو الشبه ، يعني كل يعمل ما يشبهه ، ومنه المثل « كل امرئ يشبهه عمله » « 8 » ( فَرَبُّكُمْ
--> ( 1 ) التوبة ( 9 ) ، 33 ؛ الفتح ( 48 ) ، 28 ؛ الصف ( 61 ) ، 9 . ( 2 ) الأعراف ( 7 ) ، 129 . ( 3 ) انظر الكشاف ، 3 / 190 . ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث الصحيحة التي راجعتها . ( 4 ) كأنه مستغن عنه ، ب س : - م . ( 5 ) عن عطاء ، انظر البغوي ، 3 / 524 . ( 6 ) والنائ بجانبه أن يعوج عن عطفه ويدبر ظهره ، ب س : - م . ( 7 ) « ونآي » : قرأ ابن ذكوان وأبو جعفر بألف ممدودة بعد النون وبعدها همزة مفتوحة مثل شاء ، والباقون بهمزة مفتوحة ممدودة بعد النون مثل رآي ، ولورش فيهما أربعة أوجه : قصر البدل مع فتح ذات الياء والتوسط مع التقليل والمد مع الوجهين ، ولحمزة عن الوقف التسهيل فقط . البدور الزاهرة ، 188 . ( 8 ) أخذه عن البغوي ، 3 / 524 .