أحمد بن محمود السيواسي

270

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

( ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ ) « مِنْ » فيه ابتدائية ، كأنه قال أخذ مثلا وانتزعه من أقرب شيء منكم وهي أنفسكم ، و « مِنْ » في قوله « 1 » ( هَلْ لَكُمْ مما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) تبعيض ، أي من عبيدكم وإمائكم ، و « مِنْ » في ( مِنْ شُرَكاءَ ) زائدة لتأكيد الاستفهام الذي يجري مجرى النفي ، أي هل ترضون لأنفسكم والحال أن عبيدكم وإماءكم أمثالكم بشر أن يشارككم بعضكم ( فِي ما رَزَقْناكُمْ ) من الأموال وغيرها تكونون أنتم وهم فيه على السواء من غير تفصلة بين حر وعبد ويقاسمونكم كما يقاسم الحر شريكه الحر ، وجوابهم أن يقولوا لا فيقول فإذا لم ترضوا « 2 » بذلك لأنفسكم فكيف ترضون أن تجعلوا معبوديكم شركائي في الألوهية والعبادة وهم عبيدي ( فَأَنْتُمْ ) وعبيدكم ( فِيهِ ) أي في المال الذي بأيديكم ( سَواءٌ ) أي متساوون وهو جواب الاستفهام ، أي هل لكم مال فتستوي أنتم وعبيدكم فيه ، وقوله ( تَخافُونَهُمْ ) حال من فاعل « سَواءٌ » داخلة تحت الاستفهام الإنكاري ، تقديره : أفأنتم تساووا خائفين من مواليكم خيفة ( كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) أي بعضكم بعضا من الأحرار الأقارب والأباعد ( كَذلِكَ ) أي مثل هذا التفصيل « 3 » ( نُفَصِّلُ الْآياتِ ) أي آيات الأمثال نبينها ( لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) [ 28 ] لأن التمثيل بمنزلة التصوير بكشف المعاني لأهلها وهم العقلاء ، فلما لم يمتنعوا من كفرهم وكذبهم أضرب عنهم فقال ( بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ) أي أشركوا ( أَهْواءَهُمْ ) بعبادة الأوثان ( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) أي جاهلين ( فَمَنْ يَهْدِي ) أي فمن يقدر أن يرشد ( مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ) أي أضله وخذله ولم يلطف به بالتوفيق ( وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ) [ 29 ] أي مانعين « 4 » من العذاب ، وهو دليل على أن المراد بالإضلال الخذلان . [ سورة الروم ( 30 ) : آية 30 ] فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 30 ) ( فَأَقِمْ ) أي عدل وقوم يا محمد من غير التفات يمينا وشمالا ( وَجْهَكَ لِلدِّينِ ) يعني أقبل على الدين واستقم بالعمل بأمره ونهيه ( حَنِيفاً ) أي مخلصا ، حال من الضمير في « أقم » ، قوله ( فِطْرَتَ اللَّهِ ) نصب بمحذوف ، أي اتبع يا محمد أو الزموا فطرة اللّه ( الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها ) والفطرة الخلقة وهي القابلية للتوحيد ودين الإسلام من غير إباء عنه وإنكار له أو المراد العهد المأخوذ عليهم بقوله « أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ » « 5 » ، فعلى هذا كل مولود يولد ابتداء على التوحيد ، لو لم يعرض له ما يصده عنه لدام عليه لوجود حسن التوحيد وصحته عقلا ، يدل عليه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه » « 6 » ( لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ) أي ما ينبغي أن تبدل تلك الفطرة أو تغير ( ذلِكَ ) أي التوحيد الذي خلق الناس عليه هو ( الدِّينُ الْقَيِّمُ ) أي المستقيم ( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) [ 30 ] ذلك . [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 31 إلى 32 ] مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 31 ) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ( 32 ) قوله ( مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ) أي منصرفين إلى اللّه من غيره بالتوحيد والطاعة حال من ضمير « الزموا » الناصبة لفطرة أو من فاعل « فَأَقِمْ » ، لأنه جمع في المعنى لأنه خطاب للرسول عليه السّلام والمراد أمته ، وإنما أفرد ثم جمع لما في الإفراد من التعظيم للإمام ، وفي الجمع من البيان والتلخيص ( وَاتَّقُوهُ ) بامتثال أمره ونهيه ( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ) أي في مواقيتها ( وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) [ 31 ] أي على دينهم ، وهذه الأوامر بيان للإنابة إليه ، وعطف على « الزموا » المقدر قوله ( مِنَ الَّذِينَ ) بدل من « الْمُشْرِكِينَ » ، أي لا تكونوا من الذين ( فَرَّقُوا دِينَهُمْ ) بالتشديد ، أي جعلوه فرقا

--> ( 1 ) قوله ، ح : - وي . ( 2 ) فإذا لم ترضوا ، ح و : فإذا لم يرضوا ، ي . ( 3 ) التفصيل ، وي : التفضيل ، ح . ( 4 ) مانعين ، ح و : مانعون ، ي . ( 5 ) الأعراف ( 7 ) ، 172 . ( 6 ) رواه البخاري ، الجنائز ، 80 ؛ 93 ؛ والترمذي ، القدر ، 5 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 3 / 11 ؛ والبغوي ، 4 / 397 .