أحمد بن محمود السيواسي
260
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
الخشونة باللين والغضب بالحلم ، وقيل : هي كلمة الشهادة « 1 » أو الكف عنهم إذا بذلوا الجزية « 2 » أو بالحجة القاطعة على توحيد اللّه ( إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ) بنصب الحرب ومنع الجزية وإثبات الشريك والولد للّه تعالى ، فلا تناظروهم بالحسنى بل بالغلظة أو لا تناظروا الظالمين البتة بل مكنوا السيف منهم لفرط عنادهم فلا ينفعهم الرفق ، قوله ( وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ) أي القرآن والتورية ( وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ ) وهو خالق كل شيء ( وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) [ 46 ] مخلصون بالتوحيد بيان للكلمة التي هي أحسن ، قيل : نزل حين قال بعض المسلمين يا رسول اللّه إن اليهود قد يقرؤون التورية بالعبرية ويفسرونها بالعربية أنصدقهم أم نكذبهم ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا « آمنا » إلى آخر الآية « 3 » ، أي أخبروهم أنكم تؤمنون باللّه وجميع كتبه وإنه ربنا وربكم ، قيل : نسخت هذه الآية مع ما قبلها بقوله « 4 » « قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ صاغِرُونَ » « 5 » . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 47 ] وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ ( 47 ) ( وَكَذلِكَ ) أي مثل هذا الإنزال ( أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ ) مصدقا لسائر الكتب السماوية وهو تحقيق لقوله « وقولو آمنا » الآية ( فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ ) أي التورية كعبد اللّه بن سلام وأصحابه من قبل النبي عليه السّلام من أهل الكتاب ( يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ ) أي من أهل مكة ( مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ ) أي القرآن ( وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ ) [ 47 ] مع ظهورها وزوال الشبهة عنها وهم كعب بن الأشرف وأصحابه . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 48 ] وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ ( 48 ) ( وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ ) أي قبل القرآن ( مِنْ كِتابٍ ) يعني أنت أمي ، ما عرفك قط أحد بتلاوة كتاب ما ( وَلا ) خط ( تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ) وذكر اليمين وهي الجارحة التي يداول « 6 » بها الخط لزيادة تصوير لنفي كونه كاتبا ألا يرى أنه يقال فلان يكتب بيمينه إذا أريد كونه متوليا للكتابة حقيقة ( إِذاً لَارْتابَ ) أي لشك ( الْمُبْطِلُونَ ) [ 48 ] يعني لو كنت تعرف شيئا من القراءة والكتابة لارتاب مشركو مكة في نبوتك ولقالوا تعلمه من أحد أو كتبه بيده ، وإن النبي المبعوث « 7 » عندنا لا يحسن الكتابة فليس هذا ، ومعنى كونهم مبطلين أنهم كفروا به وهو أمي بعيد من الريب ، ولو لم يكن أميا لارتابوا أشد الريب ، فحين ليس بكتاب وقارئ فلا وجه لارتيابهم فيكونون قائلين بالبطلان . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 49 ] بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظَّالِمُونَ ( 49 ) ( بَلْ هُوَ ) أي القرآن ( آياتٌ بَيِّناتٌ ) أي بينات الإعجاز يقينا ( فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) به ، أي حفظوه وعلموه ، وكونه معجزا محفوظا في الصدور من خصائص القرآن ، لأن من تقدم كانوا لا يقرؤون كتبهم إلا نظرا ، فإذا أطبقوه لم يعرفوا منه شيئا سوى الأنبياء ولم يكن معجزات ( وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا ) الواضحة ( إِلَّا الظَّالِمُونَ ) [ 49 ] أي المتوغلون في الظلم المكابرون وهم اليهود أو المشركون . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 50 ] وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 50 ) ( وَقالُوا لَوْ لا ) أي هلا ( أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ ) مفردا ( مِنْ رَبِّهِ ) أي علامة « 8 » منه تعالى كما أنزلت على من قبله من الآية ، وقرئ جمعا « 9 » ( قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ) نزل حين قالوا هلا نزل عليه آية على صدقه كالناقة والعصا
--> ( 1 ) هذا الرأي مأخوذ عن السمرقندي ، 2 / 540 . ( 2 ) لعل المصنف اختصره من البغوي ، 4 / 379 . ( 3 ) عن أبي نملة الأنصاري ، انظر البغوي ، 4 / 380 . ( 4 ) عن قتادة ومقاتل ، انظر البغوي ، 4 / 379 ؛ والكشاف ، 4 / 250 ؛ وانظر أيضا قتادة ( كتاب الناسخ والمنسوخ ) 45 ؛ والنحاس ، 205 ؛ هبة الله بن سلامة ، 73 ؛ وابن الجوزي ، 47 . ( 5 ) التوبة ( 9 ) ، 29 . ( 6 ) يداول ، وي : تداول ، ح . ( 7 ) المبعوث ، ح : المنعوت ، وي . ( 8 ) علامة ، وي : العلامة ، ح . ( 9 ) « آيات » : قرأ ابن كثير وشعبة والأخوان وخلف بحذف الألف بعد الياء على الإفراد ، والباقون باثباتها على الجمع ورسمها بالتاء . البدور الزاهرة ، 246 .