أحمد بن محمود السيواسي

253

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

[ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 12 ] وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 12 ) ( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) وهم أبو سفيان وأصحابه ( لِلَّذِينَ آمَنُوا ) أي لعمر بن الخطاب وأصحابه ( اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ) أي ديننا ( وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ ) أي لنرفع عنكم إثم خطاياكم يوم القيامة ، وهو أمر معطوف على « اتَّبِعُوا » ، وقيل : هو بمعنى الجزاء للشرط معنى ، أي إن اتبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم « 1 » ، فقال تعالى ( وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ ) وهو مفعول « الحامل » بزيادة « مِنْ » و « مِنْ خَطاياهُمْ » حال من « شَيْءٍ » تقدم عليه لتنكره ، وهذا طريق بعض الجهلة حتى يقول لمثله أفعل هذا وإثمه في عنقي ( إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ) [ 12 ] فيما يزعمون من قولهم إنا وأنتم لا نبعث ولئن بعثنا لنحملن آثامكم عنكم ، وقيل : هذا قول صناديد قريش لأتباعهم « 2 » ، وإنما سماهم كاذبين مع أنه إنشاء الضمان وليس باخبار لأنهم يعلمون أنهم لا يقدرون على ذلك فهو إخبار في المعنى على خلاف الواقع ، ففيه تشبيه حال ضمانهم مع علمهم بعدم الوفاء بالكذب الذي هو إخبار لا على ما عليه المخبر عنه . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 13 ] وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ ( 13 ) ( وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ ) أي أوزارهم بسبب كفرهم ومعاصيهم ( وَأَثْقالًا ) من أوزار أتباعهم الذين كانوا سببا في ضلالتهم ( مَعَ أَثْقالِهِمْ ) غير الخطايا التي ضمنوا للمؤمنين حملها لأن المؤمنين لم يقبلوا هذا القول منهم ولم يعملوا تلك الخطايا ، فكيف يتصور حملها منهم ( وَلَيُسْئَلُنَّ ) سؤال توبيخ ( يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ ) [ 13 ] أي يختلقون من الأباطيل على اللّه . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 14 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ ( 14 ) ثم ذكر قصة نوح عليه السّلام وطول مصابرته مع ذكر سائر الأنبياء بعده ومصابرتهم على أذى قومهم تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قوله ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ ) للدعوة إلى الإيمان ( فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً ) ينذرهم ويخوفهم لا يلتفتون إليه ، وكان عمره ألفا وخمسين سنة وبعث على رأس أربعين سنة وعاش بعد الطوفان ستين سنة ، وإنما لم يقل تسع مائة وخمسين عاما ليكون ذكر ال « ألف » أولا أفخم في أذن السامعين ، ثم أخرج منها الخمسين إيضاحا لمجموع العدد وتكميله لتوهم إطلاق هذا العدد على أكثره ، وذكر ال « سَنَةٍ » أولا وال « عام » ثانيا للمميز فرارا من تكرير اللفظ الواحد في البلاغة لا لغرض للمتكلم ، والفاء للتسبب « 3 » في قوله ( فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ ) وهو الماء الكثير الذي أطاف وأحاط بكثرة وغلبة من سيل ، أي وعظهم ولم يتعظوا فاستحقوا الأخذ بالطوفان المحيط بالماء ، ويطلق الطوفان على الظلام المحيط والقتل الذريع والموت الكثير أيضا ، قوله ( وَهُمْ ظالِمُونَ ) [ 14 ] أي والحال أنهم مشركون بيان سبب أخذهم الطوفان ، فان نوحا لما نصحهم في هذه المدة وهم يؤذونه أذن له في الدعاء عليهم فغرقوا بالطوفان بسبب ظلمهم لأنفسهم . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 15 ] فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ ( 15 ) ( فَأَنْجَيْناهُ ) أي نوحا من الطوفان ( وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ ) قيل : كانوا ثمانية وسبعين نفسا ، نصفهم ذكور ونصفهم إناث ، منهم أولاد نوح سام وحام ويافث ونساؤهم « 4 » ( وَجَعَلْناها ) أي السفينة أو الواقعة ( آيَةً لِلْعالَمِينَ ) [ 15 ] أي عبرة لهم ، يعني لمن رآها ولمن لم يرها بسماع خبرها . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 16 ] وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 16 ) ( وَإِبْراهِيمَ ) أي اذكر إبراهيم ( إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ ) أي العمل بالتقوى ( خَيْرٌ لَكُمْ ) من

--> ( 1 ) لعله اختصره من الكشاف ، 4 / 242 . ( 2 ) هذا القول مأخوذ عن الكشاف ، 4 / 242 . ( 3 ) للتسبب ، ح ي : للتسبيب ، و . ( 4 ) هذا منقول عن الكشاف ، 4 / 243 .