أحمد بن محمود السيواسي
250
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة القصص ( 28 ) : آية 84 ] مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 84 ) ( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها ) ثوابا ( وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ ) أي بالمعصية ( فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ) وضع موضع الضمير ، أي فلا يجزون ( إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) [ 84 ] أي مثله ، وهذا من فضله العظيم أن لا يجزى السيئة ولا بمثلها ويجزى الحسنة بعشرة أمثلها أو أزيد . [ سورة القصص ( 28 ) : آية 85 ] إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 85 ) قوله ( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ ) نزل بعد خروجه صلّى اللّه عليه وسلّم من الغار وجاء جحفة فاشتاق مكة ، لأنها مولده وموطنه وبها عشيرته وحرم إبراهيم عليه السّلام « 1 » ، أي إن الذي أوجب عليك تلاوة القرآن والعمل بما فيه وإبلاغه ( لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ ) عظيم أي إلى مكة بالغلبة والقهر لأنه قد أخرج منها أو لرادك إلى الجنة لأن آدم كان فيها فأخرج فرد ولده إليها ، ولما وعد صلّى اللّه عليه وسلّم بالعود إلى مكة بعد قول المشركين له إنك لفي ضلال مبين حال كونه خارجا عنها نزل « 2 » ( قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى ) يعني نفسه ( وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) [ 85 ] يعني الكفار فيجازي كلا بعمله . [ سورة القصص ( 28 ) : آية 86 ] وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ ( 86 ) ثم أكد وعده بعوده إلى مكة بقوله ( وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ ) أي القرآن ( إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ) أي لرحمة منه ، فهو قادر على أن يردك إلى مكة لرحمة منه ، ف « إِلَّا رَحْمَةً » استثناء متصل حملا على المعنى ، كأنه قيل : وما ألقي إليك الكتاب إلا رحمة ، أي ما ألقي إليك لوجه إلا لوجه الرحمة ، وقيل : منقطع و « إلا » بمعنى « لكن » ، أي لكن اللّه رحمك « 3 » ، وأعطاك القرآن فاعمل به ( فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً ) أي ناصرا ( لِلْكافِرِينَ ) [ 86 ] بالعمل بقولهم ارجع إلى دين أبائك . [ سورة القصص ( 28 ) : آية 87 ] وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 87 ) ( وَلا يَصُدُّنَّكَ ) أي لا يصرفنك ( عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ ) أي بعد وقت إنزاله ، و « إذ » يضاف إليه اسم الزمان كيومئذ وحينئذ ( وَادْعُ ) الخلق ( إِلى رَبِّكَ ) أي إلى توحيده ( وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) [ 87 ] أي معهم في شركهم . [ سورة القصص ( 28 ) : آية 88 ] وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 88 ) ثم أكد النهي عن الشرك ووحد نفسه فقال ( وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) أي لا خالق ولا رازق غيره فلا يستحق العبادة إلا هو ( كُلُّ شَيْءٍ ) في الدنيا ( هالِكٌ ) أي يجوز عليه الهلاك والفناء فيهلك قطعا ( إِلَّا وَجْهَهُ ) أي إلا ذاته عز وعلا ، فإنه باق لا يفني والوجه يعبر عن الذات ، وقيل معناه « إلا ما أريد به وجه اللّه » « 4 » من العمل لا يفني لأن ثوابه باق ( لَهُ الْحُكْمُ ) أي حكم كل شيء ( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [ 88 ] في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم .
--> ( 1 ) اختصره المؤلف من البغوي ، 4 / 363 ؛ والكشاف ، 4 / 237 . ( 2 ) لعل المفسر اختصره من البغوي ، 4 / 363 . ( 3 ) عن الفراء ، انظر البغوي ، 4 / 363 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 4 / 237 . ( 4 ) عن أبي العالية ، انظر البغوي ، 4 / 364 .