أحمد بن محمود السيواسي

216

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

و « كُلِّ » هنا بمعنى التكثير لا للإحاطة ( إِنَّ هذا ) أي الذي ذكرناه من النعم الكثيرة التي أعطاناها اللّه تعالى ( لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ) [ 16 ] أي الظاهر على ما أعطي غيرنا وهو وارد على سبيل الشكر والثناء لا على سبيل الفخر . [ سورة النمل ( 27 ) : آية 17 ] وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ( 17 ) ( وَحُشِرَ ) أي جمع ( لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ ) في مسير كان له ( فَهُمْ يُوزَعُونَ ) [ 17 ] أي يساقون ويجمعون ، يعني يوقف ويمنع أولهم حتى يلحقهم آخرهم ليكونوا مجتمعين لا يتخلف منهم أحد ، وذلك للكثرة العظيمة ، من الوزع وهو الكف ، قيل : إن سليمان يستعمل جنيا عليهم يرد أولهم إلى آخرهم هكذا عادة القوافل والعساكر ، وكان معسكره مائة فرسخ في فرسخ ، وكان له بساط من ذهب وفضة وإبريسم نسجت له الجن فرسخا في فرسخ وفي وسطه يوضع منبره من ذهب وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة ، فيقعد هو والأنبياء على كراسي الذهب والعلماء على كرسي الفضة وحولهم الناس وحول الناس الجن والشياطين ، وتظلله الطير بأجنحتها لدفع حر الشمس عنه وترفع البساط ريح الصبا بأمره فتسير به مسيرة شهر ، وزيد في ملكه أنه لا يتكلم أحد إلا حملت الريح كلامه إليه ، فبينما يسير هو رآه وجنده حراث ، فقال أوتي آل داود ملكا عظيما فنزل ومشى إليه ، وقال له لا تتمن ما لا تقدر عليه واللّه لتسبيحه واحدة يتقبلها اللّه خير مما أوتي آل داود ويتعلق بالوزع « 1 » . [ سورة النمل ( 27 ) : آية 18 ] حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 18 ) ( حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ ) هي بالطائف أو الشام كثيرة النمل ، وإنما عدي « أَتَوْا » ب « عَلى » لا ب « إلى » ، لأنهم لما أتوا قريبا من الوادي من فوق أرادوا أن ينزلوا عند مقطع الوادي فخافوا حطمهم ، لأنهم ما دامت الريح تحملهم لا يخاف حطمهم ( قالَتْ نَمْلَةٌ ) هي كانت ملكة النمل لما رأت جند سليمان ( يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ ) أي ثقوبكم ، وإنما جعل اللّه خطابهم خطاب العقلاء حيث لم يقل أدخلن لما سمع لها قول كقولهم ، قوله ( لا يَحْطِمَنَّكُمْ ) بالتشديد نهي مستأنف لأجل نون التأكيد ، لأن جواب الشرط لا يأتي بنون التأكيد إلا قليلا أو بدل من الأمر بمعنى لا تكونوا حيث أنتم فيحطمكم على طريقة قولك لا أي أرينك هنا « 2 » ، وأصل الحطم الكسر ، والمراد هنا الإهلاك ، أي لا يهلكنكم ( سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) [ 18 ] بهلاككم ، قالته لما علمت إن سليمان ملك عادل لا بغي فيه ولا فخر ، ولئن علم بها لم توطأ وسمعه سليمان من ثلاثة أميال لرفع الريح صوتها إليه . [ سورة النمل ( 27 ) : آية 19 ] فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ ( 19 ) ( فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً ) حال مقدرة ، لأن التبسم مبدأ الضحك ، أي تبسم شارعا في الضحك أو مؤكدة المعنى ضحك متعجبا ( مِنْ قَوْلِها ) وسببه شيئان « 3 » دلالة قولها على ظهور رحمته وشفقة جنوده وسروره بما أعطاه اللّه من إدراكه لسمعه ما تكلم به الحكل ما لا يسمع له صوت من جنس الحيوان ( وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي ) أي ألهمني ( أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ) وهو طلب التوفيق لزيادة العمل الصالح والتقوى والإيزاع من الوزع ، وهو الكف والربط ، أي اجعلني أزع شكر نعمتك ( الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ ) وأربطه عندي لا ينفلت « 4 » عني حتى أكون لك

--> ( 1 ) لعل المفسر اختصره من السمرقندي ، 2 / 491 ؛ والكشاف ، 4 / 193 - 194 . ( 2 ) أي لا تحضر هنا ، + و . ( 3 ) شيئان ، ح ي : شأن ، و ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 4 / 194 . ( 4 ) لا بنفلت ، ح : يتفلت ، وي ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 4 / 194 .