أحمد بن محمود السيواسي
217
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
شاكرا دائما ، وإنما أدرج ذكر والديه لأن النعمة على الولد نعمة على الوالدين خصوصا إذا كان تقيا ، فإنه ينفعهما بدعائه وشفاعته ( وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ ) أي تقبله مني ( وَأَدْخِلْنِي ) في الجنة ( بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ ) [ 19 ] أي اجعلني معهم فيها ، فوقف سليمان وجنوده بمكانهم ليدخل النمل مساكنهم ثم مضى بهم . [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 20 إلى 21 ] وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ ( 20 ) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 21 ) ( وَتَفَقَّدَ ) أي سليمان ( الطَّيْرَ ) والتفقد عدم الوجدان بعد الطلب ، أي تطلب جملة الطير ليرى الهدهد الذي هو رئيس الهداهد فلم يره فيهم ( فَقالَ ما لِيَ ) بسكون الياء وفتحها « 1 » ( لا أَرَى الْهُدْهُدَ ) في جملة الطير ثم أدركه الشك في غيبته فقال ( أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ ) [ 20 ] والميم صلة أو « أَمْ » بمعنى بل ، لأنه لاح له أنه غائب ، فأضرب عن ذلك ، فلما تحقق غيبته قال واللّه ( لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً ) بنتف ريشه وذنبه وحبسه مع ضده ورميه في الشمس ، فلا يمتنع عن الهوام ، وإنما جاز له تعذيب الهدهد لأنه إذا سخر له الطير والتسخير لا يتم إلا بالتأديب والسياسة باذن اللّه تعالى ( أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ ) أي لأقتلنه كيلا يبقى له نسل ( أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ) [ 21 ] أي برهان ظاهر على عذره ، قرئ بنون واحدة مع التشديد للتأكيد في القسم ، وبنون الإضافة معها ففيه ثلاث نونات في الحقيقة « 2 » ، قيل : كيف صح حلفه على فعل الهدهد من أين علم أنه يأتي بسلطان مبين ؟ أجيب بأنه يجوز أن يتعقب حلفه بالفعلين وحي من اللّه بأنه سيأتيه بسلطان مبين « 3 » . [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 22 إلى 23 ] فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ( 22 ) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ ( 23 ) ( فَمَكَثَ ) بفتح الكاف وضمها « 4 » ، أي أبطأ في غيبته وقتا يسيرا ( غَيْرَ ) زمان ( بَعِيدٍ ) ووصف مكثه بقصر المدة للدلالة على إسراعه خوفا من سليمان ، وإنما طلبه سليمان لأن الهدهد كان قنقنه ، وهو الدليل الهادي والبصير بالماء تحت الأرض كما يرى الماء في الزجاجة واسمه يعفور ، وكان سليمان عليه السّلام إذا احتاج إلى الماء دل الهدهد على موضع الماء فتجيء الشياطين فتستخرجونه له . روي : أنا لما أتم بناء بيت المقدس تجهز للحج بجنوده فأقام بمكة ما شاء ، ثم عزم إلى صنعاء فرأى مكانا أعحبته خضرته فنزل ليتغدى ويصلي الظهر في وقعتها ، فأمر الهدهد بأن يرتفع وينظر في طول السماء وعرضها ، فارتفع فرأى هدهدا واقعا فانحط إليه واسمه عنقير ، فوصف له يعفور ملك سليمان وما سخر له من كل شيء ، وذكر له صحابه ملك بلقيس وعظمه ، وقال : ما أظن ملك سليمان أعظم من ملكها فهل أنت منطلق معي تنظر ملكها ؟ فقال أخاف أن يفقدني سليمان وقت الصلاة إذا احتاج إلى الماء ، فقال يسر صاحبك أن تأتيه خبر هذه الملكة ، فانطلق معه فنظر ملكها فمكث لذلك ، وقد جاء وقت الصلاة وأراد سليمان أن يصلي الظهر فلم يجد ماء فطلب الهدهد ليدل على الماء ويستخرج الشياطين الماء من تحت الأرض فتفقده لذلك ، فقال لسيد الطير وهو العقاب علي به فارتفع فنظر ، فإذا هو مقبل فقصد به فقال بحق الذي قواك علي إلا رحمتني فتركه وقال إن نبي اللّه قد حلف ليعذبنك قال وما استثنى ، قال بلى إن لم تأت بسلطان مبين ، قال نجوت إذن فجاء العقاب سليمان بالهدهد ، فلما قرب منه الهدهد رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه تواضعا لسليمان ، فأخذ برأسه وجذبه إليه بشدة وتهدده ، فقال يا نبي اللّه اذكر وقوفك بين يدي اللّه فارتعد سليمان وعفا عنه ولطف به خوفا من اللّه « 5 » .
--> ( 1 ) « مالي » : فتح الياء ابن كثير وهشام وعاصم والكسائي ، وأسكنها غيرهم . البدور الزاهرة ، 234 . ( 2 ) « أَوْ لَيَأْتِيَنِّي » : قرأ المكي بنونين ، الأولى مفتوحة مشددة والثاني مكسورة مخففة ، وغيرهم بنون واحدة مكسورة مشددة . البدور الزاهرة ، 234 . ( 3 ) نقله المؤلف عن الكشاف مختصرا ، 4 / 195 . ( 4 ) « فمكث » : فتح الكاف روح وعاصم ، وضمها غيرهما . البدور الزاهرة ، 234 . ( 5 ) أخذه المصنف عن الكشاف ، 4 / 195 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 4 / 295 - 296 .