أحمد بن محمود السيواسي

209

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ) [ 193 ] أي جبريل ، لأنه أمين على الوحي وهو بالرفع فاعل « نَزَلَ » على قراءة التخفيف ، وقرئ « نزل » مشددا ونصب « الروح » « 1 » ، ومعناه : جعل اللّه الروح الأمين نازلا به ، ومحل الجملة نصب على الحال . ( عَلى قَلْبِكَ ) أي على قدر قلبك حفظا وفهما ، يعني حفظه قلبك وفهمك إياه على مرادك وأثبته فيك إثبات ما لا ينسى ( لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ) [ 194 ] أي المخوفين . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 195 إلى 196 ] بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ( 195 ) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ ( 196 ) ( بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ) [ 195 ] قيل : إن علقت الباء في « بِلِسانٍ » ب « الْمُنْذِرِينَ » كان المعنى من الذين أنذروا بهذا اللسان وهو لغة قريش وهم خمسة ، هو وصالح وشعيب وإسماعيل ومحمد عليهم الصلاة والسّلام أجمعين ، وإن علقت الباء فيه ب « نزل » كان معناه نزله بلغة العرب لتنذر به ، ولو نزله بلغة العجم لقالوا كيف نؤمن بما لا نفهمه ، وتعذر الإنذار به ، لأن الرجل إذا كلم بلغة لقنها أولا ونشأ عليها كان قلبه متوجها إلى معاني الكلام دون ألفاظه ، وإن كلم بغير تلك اللغة وإن كان عارفا بها كان نظره أولا في ألفاظها ثم في معانيها ، فهذا تقرير قوله « نزل به على قلبك » « 2 » . ( وَإِنَّهُ ) أي ذكر القرآن ( لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ ) [ 196 ] أي لمثبت في كتبهم وهم الأنبياء قبلك . [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 197 ] أَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ ( 197 ) قوله ( أَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً ) بالرفع ، فيجوز أن يكون ( أَنْ يَعْلَمَهُ ) بدلا من « آيَةً » إذا كان « كان » تامة و « آيَةً » فاعلها أو هي الناقصة واسمها ضمير الشأن ، و « آيَةً » مبتدأ خيره « أَنْ يَعْلَمَهُ » ، أي القرآن أو محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم وهما خبر « كان » ، هذا إذا قرئ « لو لم تكن » بالتاء مؤنثا ولو قرئ بالياء مذكرا فنصب « آية » « 3 » خبر « كان » واسمها « أَنْ يَعْلَمَهُ » ، نزل حين أرسلوا إلى يهود المدينة رسولا يسألهم عن نعت النبي عليه السّلام ، فقال هذا زمان خروجه ونعته كذا « 4 » ، فقال تعالى بالاستفهام للتقرير أيشكون « 5 » فيه ولم يكن لهم علامة أن يعلمه ( عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ ) [ 197 ] ابن سلام وأصحابه كانوا يخبرون بنعت « 6 » النبي عليه السّلام في كتبهم وكان أخبارهم أية على صدقه . [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 198 ] وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ ( 198 ) ( وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ ) [ 198 ] جمع أعجم ، وهو الذي لا يفصح ، أي لا يبين الكلام بعجمة في لسانه ، والأعجمي مثله والياء فيه لزيادة التأكيد وهو ياء النسبة ، أي لو نزلناه على غير عربي اللسان . [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 199 ] فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ( 199 ) ( فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ) أي على العرب ، وجواب « لو » ( ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ) [ 199 ] لعدم فهمهم كلامه ولا نفوا من اتباعه ، فلذا لم يفعل اللّه ذلك ، قيل : هذا منة من اللّه حيث كلمهم بلغتهم ليفهموه فيؤمنوا به « 7 » . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 200 إلى 201 ] كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ( 200 ) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ( 201 ) ( كَذلِكَ سَلَكْناهُ ) أي مثل ذلك السلك الذي وضعناه على الأعجمين من تنزيل القرآن عليهم فرضا ومن

--> ( 1 ) « نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ » : قرأ المدنيان والمكي والبصري وحفص بتخفيف الزاي ورفع الحاء من « الروح » والنون « الأمين » ، والباقون بتشديد الزاي ونصب الحاء والنون . البدور الزاهرة ، 233 . ( 2 ) نقل المصنف هذا المعنى عن الكشاف ، 4 / 183 . ( 3 ) « أو لم يكن اية » : قرأ الشامي بتاء التأنيث في « يكن » ورفع التاء في « آية » ، والباقون بياء التذكير ونصب « آية » . البدور الزاهرة ، 233 . ( 4 ) عن ابن عباس ، انظر البغوي ، 4 / 276 . ( 5 ) أيشكون ، و : أيشكوا ، ح ، أشكوا ، ي . ( 6 ) بنعت ، ح و : ببعث ، ي . ( 7 ) نقله المفسر عن السمرقندي ، 2 / 484 .