أحمد بن محمود السيواسي
185
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
البلاء وأنا ناصركم وهاديكم فاصبر أنت على أذاهم كما صبروا . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 32 ] وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً ( 32 ) ( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ ) أي هلا أنزل على محمد ( الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً ) أي دفعة في وقت واحد كما أنزل الكتب الثلاثة وما له أنزل على التفاريق ، والقائلون قريش ، وقيل : اليهود ، وهذا القول فضول ومماراة بما لا طائل تحته ، لأن أمر الإعجاز لا يختلف بنزوله جملة واحدة أو مفرقا « 1 » ، وفي الحقيقة هو اعتراض حيرة وعجز ، لأنهم تحدوا بالاتيان بسورة من مثله فعجزوا عن ذلك حتى بذلوا المهج والأموال دون الاتيان بها ، قوله ( كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ) بيان لعلة نزوله نجوما ، أي قال تعالى كذلك أنزلناه مفرقا لتزداد به بصيرة وتعيه وتحفظه ، لأن العلم لا يحفظه المتلقن إلا شيئا بعد شيء ، فلو أنزل عليه جملة واحدة لتعيأ بحفظه ، وحال الرسول فارقت حال موسى وداود وعيسى عليهم السّلام حيث كان أميا لا يقرأ ولا يكتب ، وهم كانوا قارئين كاتبين فلم يكن له بد من التلقن والتحفظ فأنزل عليه منجما في عشرين سنة ، وقيل في ثلاث وعشرين سنة ولأنه كان ينزل على حسب الحوادث وجوابات السائلين « 2 » ، وهو يقتضي الإنزال مفرقا ، قوله ( وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا ) [ 32 ] أي بيناه بيانا بتثبت وتمكث عطف على فعل تعلق به « كَذلِكَ » ، كأنه قال كذلك فرقناه ورتلناه ترتيلا ، أي قدرناه آية بعد آية ووقفة وبعد وقفة في مدة طويلة . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 33 ] وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً ( 33 ) ( وَلا يَأْتُونَكَ ) يا محمد ، أي لا يجيئك الكفار ( بِمَثَلٍ ) أي بسؤال عجيب من أسولتهم الباطلة ، كأنه مثل في البطلان ( إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ ) أي بالمثل الحق ، يعني بالجواب الحق الذي يبطل ما جاؤوك به ( وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً ) [ 33 ] أي معنى ومؤدى من سؤالهم ، يقال ما تفسير هذا الكلام ، أي ما معناه . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 34 ] الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً ( 34 ) ( الَّذِينَ يُحْشَرُونَ ) مبتدأ ، أي الذين يسحبون يوم القيامة ( عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ ) وخبر المبتدأ ( أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً ) أي مصيرا في الآخرة ( وَأَضَلُّ سَبِيلًا ) [ 34 ] أي أخطأ طريقا في الدنيا ، قيل : يحشر الناس على ثلاثة 34 أصناف ، صنف على الدواب وصنف على الأقدام وصنف على وجوههم « 3 » . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 35 ] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً ( 35 ) ثم قال تعالى لتهديد كفار مكة ( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ ) أي التورية بعد هلاك فرعون وقومه ( وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً ) [ 35 ] أي في أول نبوته . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 36 ] فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً ( 36 ) ( فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ) وهم القبط ، أي اذهبا إليهم فأنذرا ، فذهبا فأنذرا فكذبوهما ( فَدَمَّرْناهُمْ ) أي أهلكناهم بتكذيبهم ( تَدْمِيراً ) [ 36 ] أي إهلاكا استأصلهم . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 37 إلى 39 ] وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً ( 37 ) وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً ( 38 ) وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً ( 39 ) ( وَقَوْمَ نُوحٍ ) أي دمرناهم ( لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ ) أي نوحا ، لأن من كذب رسولا واحدا فقد كذب جميع الرسل ، قوله ( أَغْرَقْناهُمْ ) بيان لتدميرهم ، أي أغرقناهم ( وَجَعَلْناهُمْ ) أي المغرقين ( لِلنَّاسِ آيَةً ) أي عبرة لمن بعدهم يتعظون بها ( وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ) المغرقين ( عَذاباً أَلِيماً ) [ 37 ] أي وجيعا دائما فأظهروا في صورة العموم ،
--> ( 1 ) نقله المؤلف عن الكشاف ، 4 / 147 . ( 2 ) أخذه المفسر عن الكشاف ، 4 / 147 . ( 3 ) نقله عن السمرقندي ، 2 / 460 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 4 / 148 .