أحمد بن محمود السيواسي

186

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

والأصل اعتدنا لهم ( وَ ) أهلكنا ( عاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ ) وهو بئر أو قرية ، وكانوا قوما من عبدة الأصنام وأصحاب مواش ، فأرسل إليهم شعيب فدعاهم إلى الإسلام وكانوا حول البئر ، فكذبوه وآذوه فخسف بهم وبمنازلهم وأموالهم وانهارت بئرهم ، قيل : إنما سموا أصحاب الرس ، لأنهم قتلوا نبيا من الأنبياء ورسوه في بئر لهم « 1 » ، أي ستروه وهي بئر أنطاكية بالشام « 2 » ( وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ ) أي أهلكنا قرونا بين عاد وأصحاب الرس إهلاكا ( كَثِيراً [ 38 ] وَكُلًّا ) أي كل واحد من المهلكين ( ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ ) أي بينا له القصص العجيبة من قصص الأولين ووصفنا له تكذيبهم الأنبياء ونزول العذاب عليهم من اللّه وتدميره ، وبينا البراهين على الإيمان ( وَكُلًّا ) منهم بعد التكذيب ( تَبَّرْنا ) أي أهلكنا وكسرنا ( تَتْبِيراً ) [ 39 ] أي تفتيتا ، ونصب « كُلًّا » الأول بما دل عليه « ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ » وهو أنذرنا ، والثاني بفعله بعده ، لأنه فارغ له ، المعنى : إنا أهلكناهم بالإنذار والتخويف بالحجج لا بغيره ، لأنه خارج عن الحكمة . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 40 إلى 41 ] وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَ فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً ( 40 ) وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً ( 41 ) ( وَلَقَدْ أَتَوْا ) أي كفار مكة في متاجرهم إلى الشام ( عَلَى الْقَرْيَةِ ) أي قرية سدوم ( الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ) أي أهلكت بالحجارة من السماء وهي من قرى لوط ، فالمراد ب « مَطَرَ السَّوْءِ » الحجارة ، فإنهم فعلوا الفاحشة فهلكوا بالحجارة من السماء ( أَ فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها ) أي ألم يبصر آثار عذاب اللّه قريش عند سفرهم إلى الشام للتجارة فيتفكرون فيؤمنون ( بَلْ ) هم ( كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً ) [ 40 ] أي لا يخافون بعثا ، فلذلك لا يؤمنون أو لا يأملون البعث للوصول إلى ثواب أعمالهم كما يأمله المؤمنون ، لأنهم كافرون . ( وَإِذا رَأَوْكَ ) أي أهل مكة يا محمد ( إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً ) أي ما يقولون فيك إلا سخرية بينهم ( أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا ) [ 41 ] إلينا قالوه بالاستفهام استهزاء للنبي عليه السّلام ، أي ابعثه رسولا ليثبت الحجة علينا . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 42 ] إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً ( 42 ) ( إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا ) أي ما يقرب منا ليصرفنا ( عَنْ ) عبادة ( آلِهَتِنا ) لفرط جهاده في الدين ودعوته بعرض الآيات وإظهار المعجزات ( لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها ) جواب « لَوْ لا » محذوف بدلالة ما قبلها وهو لصرفنا عن عبادتها ولأدخلنا في دينه ، قيل : هو من قول أبي جهل لعنه اللّه « 3 » ، قوله ( وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) وعيد لهم ودلالة على أنهم لا يفوتونه ( حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ ) أي حين نزول العذاب عليهم ( مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا ) [ 42 ] هم أم المؤمنين ، وهو مفعول « يَعْلَمُونَ » وكالجواب من قولهم « إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا » . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 43 ] أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً ( 43 ) ( أَ رَأَيْتَ ) أي أخبرني يا محمد ( مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ) قدم المفعول الثاني على الأول لفضل العناية به ، والأصل اتخذ هواه إلها ، وهذا توبيخ لكل من يعبد غير اللّه أو لكل من يتبع هواه لعصيانه ، روي : أن الرجل منهم كان يعبد الحجر ، فإذا رأى أحسن منه رمي به وأخذ آخر لحسنه « 4 » ، فليست الهداية بيدك حتى تهديه وتمنعه عن اتباع الهوى ( أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ) [ 43 ] أي حافظا تحفظه عن ارتكاب هواه وعبادة ما يهويه ، يعني لست كذلك انما أنت منذر فأنذرهم .

--> ( 1 ) أخذه المصنف عن السمرقندي ، 2 / 461 . ( 2 ) وقال فخر الدين الرازي : « واعلم أن القول ما قاله أبو مسلم وهو أن شيئا من هذه الروايات غير معلوم بالقرآن ولا بخبر قوي الإسناد ، ولكنهم كيف كانوا فقد أخبر اللّه تعالى عنهم أنهم أهلكوا بسبب كفرهم » . انظر مفاتيح الغيب ، 24 / 73 . وقال ابن كثير بعد أن روى نحو هذه الروايات : « وفيه غرابة ونكارة ولعل فيه إدراجا » . انظر تفسير القرآن العظيم ، 6 / 120 . ( 3 ) أخذه عن الكشاف ، 4 / 150 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 461 . ( 4 ) نقله المفسر عن السمرقندي ، 2 / 462 .