أحمد بن محمود السيواسي

180

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

[ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 5 ] وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ( 5 ) ( وَقالُوا ) أي المشركون القرآن ( أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) أي ما سطره المتقدمون من نحو أحاديث رستم وإسفنديار ، جمع أسطورة كأحدوثة ( اكْتَتَبَها ) أي انتسخها محمد من جبر وأصحابه وأخذها لنفسه ، وهو حال ب « قد » مقدرة ، أي أساطير مكتتبة ، قيل : أصل النظم أن يقال أمليت عليه فهو يكتبها ، أجيب بأن المعنى أنه طلب من يكتبها له « 1 » ، لأنه لم يكن يحسن الكتابة ( فَهِيَ تُمْلى ) أي تقرأ ( عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ) [ 5 ] أي غدوة وعشيا ، يعني دائما . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 6 ] قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 6 ) ( قُلْ ) يا محمد ( أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ ) أي كل سر خفي ( فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) فلو تقوله عليه لعلمه فيعاقبه بأشد العقاب ومن جملته ما تسرون من الكيد لرسوله مع أن قولكم باطل وزور في حقه ، فيجازيكم عليه ( إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ) [ 6 ] يمهل ولا يعاجل مع استحقاقكم أن يصب عليكم العذاب صبا ، وقيل : معناه ارجعوا عن القول بالباطل وتوبوا فإنه يعلم السر ويغفر لمن تاب ويرجم لمن أطاع ويقدر على العقوبة ، إذ لا يوصف بالمغفرة والرحمة إلا القادر عليها « 2 » . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 7 ] وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً ( 7 ) ( وَقالُوا ) أي الكافرون سخرية ( ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ ) مثلنا لطلب المعاش والرسالة تنافيه ، فالاستفهام بمعنى الإنكار يعنون أنه كان يجب أن يكون ملكا مستغنيا عن الأكل والتعيش ، وهو جهل ، أما أكله الطعام فلأنه بشر وأما مشيه في الأسواق فلقضاء حاجته تواضعا ، وهما لا ينافيان الرسالة ، ثم نزلوا عن اقتراحهم كونه ملكا إلى كونه إنسانا معه ملك فقالوا ( لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً ) [ 7 ] يصدقه بنصب « فَيَكُونَ » جواب حرف التحضيض وهو « لَوْ لا » بمعنى هلا . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 8 إلى 9 ] أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً ( 8 ) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً ( 9 ) ( أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ ) بالرفع عطف على « أُنْزِلَ » ، أي لولا يلقى عليه ( كَنْزٌ ) لينفقه في مصالحه ( أَوْ ) لولا ( تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ ) أي بستان ( يَأْكُلُ مِنْها ) بالتاء والنون « 3 » ، المعنى : أنه ليس ملكا ولا ملكا ولا غنيا نتبعه فهو دوننا فكيف نتبعه ( وَقالَ الظَّالِمُونَ ) أي المشركون ( إِنْ تَتَّبِعُونَ ) أي ما تطيعون يا أصحاب محمد ( إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً ) [ 8 ] أي مغلوب العقل أو ذا سحر وهي « 4 » الرئة أو مخدوعا ، فقال تعالى يا محمد ( انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ ) أي قالوا فيك تلك الأقوال والصفات النادرة كالأمثال ( فَضَلُّوا ) أي بقوا متحيرين ضلالا عن الهدى ( فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ) [ 9 ] إليه . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 10 ] تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً ( 10 ) ( تَبارَكَ ) أي تكاثر خير ( الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ ) أي وهب لك في الدنيا ( خَيْراً مِنْ ذلِكَ ) أي مما قالوا وهو أن يعجل لك مثل ما وعدك في الآخرة من ( جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً ) [ 10 ] في الدنيا أو في الآخرة ، بالجزم عطف على جواب الشرط ، وبالرفع عطف على « جعل » « 5 » ، لأن الشرط ماض فجاز الوجهان في جزائه الجزم والرفع ، عن النبي عليه السّلام : « عرض لي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا ،

--> ( 1 ) هذا المعنى مأخوذ عن الكشاف باختصار ، 4 / 140 . ( 2 ) اختصره من السمرقندي ، 2 / 453 ؛ والكشاف ، 4 / 140 . ( 3 ) « يأكل » قرأ الأخوان وخلف بالنون ، والباقون بالياء . البدور الزاهرة ، 226 . ( 4 ) وهي ، وي : وهو ، ح . ( 5 ) « وَيَجْعَلْ » : قرأ المكي والشامي وشعبة برفع اللام ، والباقون بجزمها . البدور الزاهرة ، 226 .