أحمد بن محمود السيواسي

125

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

سورة الحج كلها مكية في رواية « 1 » بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ سورة الحج ( 22 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ( 1 ) ( يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ) الآيتين نزلتا ليلا في غزوة بني المصطلق ، فقرأهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلم ير باكيا أكثر من تلك الليلة من شدة الخوف « 2 » ، أي احذروا عقابه وأطيعوا أمره ، ثم حث على التقوى بقوله ( إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ ) أي قيامها ( شَيْءٌ عَظِيمٌ ) [ 1 ] لا يوصف لعظمته ، والزلزلة التحرك الشديد بازعاج ، وإضافته إما إلى الفاعل ، فالساعة تحرك الأشياء أو إلى الظرف الأشياء تتحرك في الساعة ، قيل : هي إما في الدنيا أو في الآخرة « 3 » ، وإنما وصفها بأهول « 4 » صفة ليتصوروها بعقولهم فيتزودوا بالتقوى . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 2 ] يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ( 2 ) ( يَوْمَ تَرَوْنَها ) أي تبصرون الزلزلة فجعل الناس جميعهم رائين لها ، لأن الرؤية تعلقت بالزلزلة فيعم الرؤية ، ونصب الظرف بقوله ( تَذْهَلُ ) أي تغفل وتتحير ( كُلُّ مُرْضِعَةٍ عن ما أَرْضَعَتْ ) من الولد فتترك إرضاعه في كون ثديها في فم الولد لشدة الأمر ولم يقل مرضع ليدل على حال الإرضاع بالتاء ، إذ المرضع هي التي من شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الرضاع ، ومحل « تَذْهَلُ » نصب على الحال من المفعول ( وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها ) أي ولدها قبل تمامه خوفا ، وهذا يدل على أن الزلزلة في الدنيا ، ومن قال هي يوم القيامة جعل ذلك فرضا تهويلا لشأن الساعة ، قيل : « ينادي ملك من السماء يا أيها الناس أتى أمر اللّه فيسمع الصوت أهل الأرض جميعا ، وذلك قبل النفخة الأولى فنزلت الأرض وطارت القلوب وتضع الحوامل ما في بطونها » « 5 » ( وَتَرَى النَّاسَ ) خطاب لكل واحد منهم من غير تعيين ، لأن الرؤية تعلقت بكون الناس على حال السكر ، فلا بد أن يجعل كل منهم رائيا لسائرهم ، أي تراهم ( سُكارى ) من الخوف ( وَما هُمْ بِسُكارى ) وقرئ « سكرى » فيهما « 6 » ، أي ما هم بسكرى حقيقة بشراب لما شاهدوا من بساط العزة وسلطان الجبروت حتى ألجأ النبيين إلى أن قالوا نفسي نفسي فتراهم كالسكارى من شدة الخوف يدل عليه قوله ( وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ) [ 2 ] في ذلك اليوم .

--> ( 1 ) « وقال الجمهور : السورة مختلطة ، منها مكي ومنها مدني ، وهذا هو الأصح » . انظر القرطبي ، 12 / 1 . ( 2 ) أخذه المؤلف عن الكشاف ، 4 / 75 . ( 3 ) لعله اختصره من البغوي ، 4 / 94 ، 95 . ( 4 ) بأهول ، و : بأكمل ، ح ي ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 4 / 75 . ( 5 ) ذكر مقاتل نحوه ، انظر السمرقندي ، 2 / 384 . ( 6 ) « سكارى » ، « بسكارى » : قرأ الأخوان وخلف بفتح بالسين وإسكان الكاف من غير ألف ، والباقون بضم السين وفتح الكاف وبعدها ألف فيهما . البدور الزاهرة ، 213 .