أحمد بن محمود السيواسي

120

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

يغضب فوفى بذلك ، وإنما ذكره مع الأنبياء لأن عمله كعمله ( كُلٌّ ) أي كل واحد من المذكورين ( مِنَ الصَّابِرِينَ [ 85 ] وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا ) أي أكرمناهم بالنبوة أو بطاعتنا ( إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ ) [ 86 ] أي معهم في الجنة . [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 87 ] وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ( 87 ) ( وَذَا النُّونِ ) أي اذكره وهو صاحب الحوت اسمه يونس بن متى ( إِذْ ذَهَبَ ) من قومه المرسل إليهم ( مُغاضِباً ) أي شديد الغضب عليهم ، لأنه وعظهم فلم يتعظوا ، وقيل : ذهب منهم كارها لدينهم ، وكان ضيق الصدر سريع الغضب وذلك أنه لما دعاهم إلى الإيمان باللّه وترك الشرك كذبوه ووعدهم ثلاثة أيام بنزول العذاب بهم ، فأتاهم العذاب فأخلصوا للّه بالدعاء فصرف عنهم وكان يونس اعتزلهم ينتظر هلاكهم فسأل بعض من مر علي من أهل تلك المدينة ، فلما علم أنهم لم يهلكوا كره أن يرجع إليهم مخافة أن ينسب إلى الكذب فذهب مغاضبا وكارها لذلك إلى الساحل فوجد قوما قد شحنوا سفينتهم ، فقال لهم : أتحملوني معكم فعرفوه وحملوه ، فلما ذهبت السفينة إلى وسط البحر تكفأت بهم ، فقال ملاحوها يا قوم أن فيكم رجلا عاصيا ، لأن السفينة لا تفعل هكذا من غير ريح إلا وفيها عاص ، فاقترعوا فخرج سهم يونس فقال أنا واللّه لعاص فتلفف في كسائه فرمى نفسه في البحر فابتلعه الحوت « 1 » ، فبقي في بطنه سبعة أيام « 2 » ، وقيل : أربعين « 3 » ، وقيل : يوما « 4 » ( فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) أي ظن يونس أن لن نقضي عليه بالعقوبة ( فَنادى فِي الظُّلُماتِ ) أي في ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل ( أَنْ ) أي بأن ( لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) [ 87 ] لنفسي بمغاضبتي ، قاله اعترافا بذنبه ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما من مكروب يدعو يهذا التسبيح إلا استجيب له » « 5 » . [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 88 ] فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ( 88 ) ( فَاسْتَجَبْنا لَهُ ) نداءه ( وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ ) أي من غم الماء وبطن الحوت أو الذنب ( وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) [ 88 ] بالتخفيف والتشديد « 6 » ، أي مثل ذلك الإنجاء ننجي الموحدين ، قيل : إنه بعث نبيا قبل ابتلاع الحوت وبعده « 7 » . [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 89 ] وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ ( 89 ) ( وَزَكَرِيَّا ) أي اذكره ( إِذْ نادى رَبَّهُ ) أي دعاه ( رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً ) أي وحيدا بلا ولد يرثني ( وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ ) [ 89 ] أي أفضلهم رزقتني ولدا أو لم ترزقني إياه . [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 90 ] فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ ( 90 ) ( فَاسْتَجَبْنا لَهُ ) نداءه ( وَوَهَبْنا لَهُ ) أي لزكريا ولدا اسمه ( يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ ) أي جعلناها حسنة الخلق بعد أن كانت سيئة الخلق وأحسنها وجها بعد أن كانت قبيحة الوجه وأصلحنا رحمها وكانت لا تلد لعقمها فصارت ولودا بعد العقم ( إِنَّهُمْ كانُوا ) أي الأنبياء الذين سبق ذكرهم ، وقيل : إن زكريا وامرأته ويحيى كانوا « 8 » ( يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ ) أي يبادرون في الأعمال الصالحة ( وَ ) كانوا ( يَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً ) أي رغبة فيما عندنا ورهبة من عذابنا ( وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ ) [ 90 ] أي ذليلين متواضعين ، والخشوع الخوف اللازم للقلب بالمعرفة .

--> ( 1 ) اختصره المفسر من السمرقندي ، 2 / 377 . ( 2 ) عن عطاء ، انظر البغوي ، 4 / 83 . ( 3 ) أخذه عن السمرقندي ، 2 / 377 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 4 / 83 . ( 4 ) ولم أجد له مرجعا في المصادر التي راجعتها . ( 5 ) روى الترمذي نحوه ، الدعوات ، 82 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 4 / 70 . ( 6 ) « ننجي » : قرأ الشامي وشعبة بنون واحدة مضمومة وتشديد الميم ، والباقون بنونين الأولى مضمومة ، والثانية ساكنة مع تخفيف الجيم . البدور الزاهرة ، 212 . ( 7 ) نقل المؤلف هذا الرأي عن البغوي ، 4 / 84 . ( 8 ) أخذه المفسر عن السمرقندي ، 2 / 378 .