أحمد بن محمود السيواسي
56
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 28 ] وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 28 ) قوله ( وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً ) إخبار عن حال المشركين التابعين لآبائهم الجهلة دون محمد وكتابه ، أي إذا فعل أهل مكة ومن حواليها فعلة فاحشة هي « 1 » طوافهم عراة بالبيت وطواف رجالهم بالنهار ونسائهم بالليل ، وقيل : هي الشرك ، وكل معصية « 2 » ، ثم قيل لهم ملامة لم فعلتم تلك الفاحشة ( قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا ) تقليدا لهم ثم قالوا افتراء على اللّه ( وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها ) أي بالفاحشة ، وكذبوا في قولهم ، فقال تعالى لنبيه عليه السّلام ( قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ ) أي بالمعاصي لاستحالة الأمر بها في حقه لكونه حكيما بالذات ( أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) [ 28 ] أي أتكذبون « 3 » عليه بما لا تعلمون حقيقته . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 29 ] قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ( 29 ) ثم أمر نبيه أن يبين لهم ما أمره بهم بقوله ( قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ ) أي بالعدل وهو التوحيد ( وَ ) قل لهم ( أَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) أي حولوا وجوهكم إلى الكعبة عند كل صلاة ( وَادْعُوهُ ) أي اعبدوه ( مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) أي العبادة ، لأنكم تموتون وتبعثون وتحاسبون ( كَما بَدَأَكُمْ ) أي مثل ما أنشأكم حفاة عراة غرلا ( تَعُودُونَ ) [ 29 ] إلى الحياة بعد الموت ، وهو احتجاج عليهم حيث أنكروا العود إلى الحياة يوم القيامة . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 30 ] فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ( 30 ) ثم بين أن الهادي والمضل هو اللّه تعالى بقوله ( فَرِيقاً هَدى ) اللّه بلطفه وهم المؤمنون ، لأنه علم منهم الطاعة فأكرمهم بالمغفرة والتوحيد ( وَفَرِيقاً حَقَّ ) أي وجب بخذلانه ( عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ ) وهم الكافرون ، لأنه علم منهم العصيان فأهانهم بالشرك والجهالة ، المعنى : أنه هدى فريقا من عباده وخذل فريقا منهم ، لأن من حق عليه الضلالة مخذول ( إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) أي من غير اللّه وأوليائه تعليل لوجوب الضلالة عليهم ( وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ) [ 30 ] أي يظنون أنهم على الاهتداء ، قيل : « فيه دليل على أن من لا يعلم أنه كافر في حال كفره فهو كافر ، لا يعذره جهله » « 4 » . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 31 ] يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ( 31 ) قوله ( يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) نزل حين كانوا يطوفون بالبيت غرلا ليلا ، ويقولون : لا نطوف في ثياب عصينا فيها ويحرمون اللحم والودك واللبن في حجهم « 5 » ، فقال تعالى البسوا زينتكم ، أي ما يستر « 6 » عوراتكم عند صلاة كل مسجد من البيت ، وإنما أدخل فيه « كُلِّ » « 7 » ، لأن كل موضع من البيت مسجد ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ) أي وكلوا اللحم والدسم واشربوا اللبن ( وَلا تُسْرِفُوا ) في شيء ما أو في التحريم ، وقيل : « الإسراف أن يأكل الرجل ما لا يحل أكله أو يأكل مما يحل له فوق الاعتدال ومقدار الحاجة » « 8 » ( إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) [ 31 ] بتحريم ما أحل اللّه وتحليل ما حرمه ، قيل : الطب كله في قوله « كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا » « 9 » . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 32 ] قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 32 )
--> ( 1 ) هي ، ب س : هو ، م . ( 2 ) اختصره من البغوي ، 2 / 464 . ( 3 ) أي أتكذبون ، ب : أي تكذبون ، س م . ( 4 ) عن الزجاج ، انظر السمرقندي ، 1 / 537 . ( 5 ) عن ابن عباس ، انظر الواحدي ، 189 - 190 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 1 / 538 ؛ والكشاف ، 2 / 105 . ( 6 ) يستر ، ب س : يسترون ، م . ( 7 ) من البيت وإنما أدخل فيه « كل ، ب س : - م . ( 8 ) أخذه عن السمرقندي ، 2 / 538 . ( 9 ) نقله المفسر عن السمرقندي ، 1 / 538 .