أحمد بن محمود السيواسي
57
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
قوله ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ ) نزل حين عيرهم المشركون طوافهم بالبيت بلبس الثياب بعد نزول قوله « خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ » « 1 » ، فأمر اللّه نبيه عليه السّلام بأن يقول للمشركين بالاستفهام الإنكاري على محرم الحلال من حرم زينة اللّه « 2 » ، أي ليس الثياب الذي يستر به العورة ويتجمل به حلالا ( الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ ) أي خلقها لهم ( وَالطَّيِّباتِ ) أي الحلالات ( مِنَ الرِّزْقِ ) أي من المآكل والمشارب كاللحم والدسم واللبن وغيرها ( قُلْ هِيَ ) أي الزينة والطيبات ثابتة ( لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) بالاستحقاق ، لأنها خلقت لهم وإن كان الكفار مشتركين فيها معهم في الدنيا ، وهو من قبيل الاكتفاء ، قوله ( خالِصَةً ) بالرفع خبر بعد خبر ، أي هي مخصوصة للمؤمنين ( يَوْمَ الْقِيامَةِ ) ظرف ل « خالِصَةً » ، وهذا يدل على الاشتراك في الدنيا ، وبالنصب « 3 » على الحال من الضمير في « لِلَّذِينَ آمَنُوا » الراجع إلى الزينة ، المعنى : أن المؤمن والكافر يشتركان في الزينة والطيبات في الدنيا ، ويختص بهما المؤمن يوم القيامة ( كَذلِكَ ) أي مثل هذا التبيين ( نُفَصِّلُ ) أي نبين ( الْآياتِ ) من الأمر والنهي وما يكون في الدنيا والآخرة ( لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) [ 32 ] أي يعرفون اللّه ويفهمون ما أمرهم . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 33 ] قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 33 ) ثم قال آمرا لنبيه عليه السّلام مخبرا بما حرم عليهم ( قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ) أي الأشياء التي قبح فحشها ، وأبدل منها ( ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ ) وهو الزنا سرا وعلانية ، وقيل : الطواف عريانا ليلا ونهارا « 4 » ، وعطف على « ما ظَهَرَ » ( وَالْإِثْمَ ) أي الذنب كله ، والمراد منه كل ما لا حد فيه ، وقيل : « الإثم الخمر » « 5 » كقول الشاعر « شربت الإثم حتى ضل عقلي « 6 » ( وَالْبَغْيَ ) أي الظلم أو الكبر ( بِغَيْرِ الْحَقِّ ) أي بغير بيان من اللّه ( وَ ) حرم ( أَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً ) أي كتابا فيه حجة لكم ( وَ ) حرم ( أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) [ 33 ] أي الافتراء عليه أو التحليل والتحريم اللذين لا يعلمون أنهما منه . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 34 ] وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ( 34 ) ثم قال تخويفا لهم ( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ) أي لكل أهل دين وقت معلوم للعذاب ( فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ ) أي قرب مجيء وقت عذابهم ( لا يَسْتَأْخِرُونَ ) أي لا يمهلون ( ساعَةً ) بعد الأجل ( وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ) [ 34 ] أي لا يتقدمون ساعة قبل الأجل ، وقيل : فيه مبالغة لنفي التأخير بتسوية طرفي الزمان اللذين أحدهما ممكن والآخر محال « 7 » ، وإنما قيد بالساعة ، لأن الساعة أقل الأزمنة المستعملة في الإمهال . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 35 ] يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 35 ) ثم قال مبشرا ومنذرا لهم ( يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ ) « إِمَّا » مركبة من « إن » الشرطية و « ما » الزائدة للتأكيد ، ولذلك يلزم فعلها النون المشددة أو المخففة لزيادة التأكيد ، أي إن يجئكم ( رُسُلٌ مِنْكُمْ ) أي من جنسكم ( يَقُصُّونَ ) أي يقرؤن عارضين ( عَلَيْكُمْ آياتِي ) أي القرآن لبيان أحكامي ، وجواب الشرط جملة ( فَمَنِ اتَّقى ) الشرك وتاب عن المعصية ( وَأَصْلَحَ ) أي زكى « 8 » العمل أو أطاع الرسول مني ( فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) فيما يستقبلهم
--> ( 1 ) أخذه المؤلف عن السمرقندي ، 1 / 538 . ( 2 ) زينة اللّه ، ب م : - س . ( 3 ) « خالصة » : قرأ نافع برفع التاء ، والباقون بنصبها . البدور الزاهرة ، 116 . ( 4 ) لعل المصنف اختصره من البغوي ، 2 / 467 . ( 5 ) عن الحسن ، انظر البغوي ، 2 / 468 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 2 / 105 . ( 6 ) نقله عن البغوي ، 2 / 468 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 1 / 538 . ( 7 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها . ( 8 ) زكى ، ب م : أزكى ، س .