أحمد بن محمود السيواسي
48
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
بالألف « 1 » ، أي تركوا دين الإسلام ودخلوا في اليهودية والنصرانية ، نزل في اليهود والنصارى « 2 » ، أي إن الذين تركوا دينهم ( وَكانُوا ) أي صاروا ( شِيَعاً ) أي فرقا بأديان مختلفة ( لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ) أي من قتالهم ، يعني لم تؤمر بقتالهم ، ونسخ بآية السيف « 3 » ، وقيل : نزلت الآية في أهل الهواء والبدع « 4 » ، فمعنى الكلام : أنت بريء منهم وهم برآء منك أوليس بيدك توبتهم ولا عذابهم ، قال رسول اللّه عليه السّلام : « تفرقت بنو إسرائيل اثنين وسبعين ملة ، وتفرقت أمتي على ثلث وسبعين ملة ، كلهم في النار إلا واحدة ، وهي ما أنا عليه وأصحابي » « 5 » ، وفيه حث للمؤمنين أن لا يتفرقوا في الدين ويجتنبوا عن البدع ما استطاعوا ، ثم قال ( إِنَّما أَمْرُهُمْ ) أي مفوض حكمهم ( إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ ) أي يخبرهم ( بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ) [ 159 ] في الدنيا ، فيجازيهم بما فعلوا فيها . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 160 ] مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 160 ) ( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ ) أي من عمل بعد الإيمان عملا حسنا ( فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها ) بإضافة « عَشْرُ » إلى « أَمْثالِها » ، ولم يقل عشرة وإن كان الأمثال مذكرا ، لأن التقدير عشر حسنات أمثالها ، فحذف الموصوف وأقيم الصفة مقامه ، أي يعطي في الآخرة ثواب عشرة للواحدة ( وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ ) أي ومن عمل عملا رديا من المعاصي ( فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها ) أي لا يعاقب إلا عقابا يماثلها ( وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) [ 160 ] أي لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئا ولا يزادون على سيئاتهم كقوله تعالى « إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها » « 6 » ، قال عليه السّلام : « إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها يكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، وكل سيئة يعملها يكتب له بمثلها حتى يلقى اللّه تعالى » « 7 » . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 161 ] قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 161 ) ثم قال أهل مكة : أنت بشر مثلنا فمن أين لك هذه الفضيلة فنزل « 8 » ( قُلْ إِنَّنِي هَدانِي ) أي أرشدني بلطفه ( رَبِّي ) أي سيدي ومولاي ( إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) أي إلى دين ذي استقامة ، وهو الإسلام ، قوله ( دِيناً قِيَماً ) نصب بمضمر هو جواب سؤال مقدر ، كأنه قيل كيف هداك ربك إلى صراط مستقيم ؟ فقال عرفني دينا محكما ثابتا في غاية الثبوت ، قرئ بفتح القاف وكسر الياء مع التشديد « 9 » فيعل ، من قام كسيد من ساد ، صفة « دِيناً » وبالعكس مع التخفيف مصدر بمعنى القيام وصف به الدين مبالغة كرجل عدل ( مِلَّةَ إِبْراهِيمَ ) بدل من « دِيناً » ( حَنِيفاً ) نصب على الحال من « إِبْراهِيمَ » ، أي دين إبراهيم حال كونه مخلصا في الإسلام ( وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) [ 161 ] أي لم يكن على دينهم . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 162 ] قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 162 ) ( قُلْ إِنَّ صَلاتِي ) المفروضة على وعلى من تابعني ( وَنُسُكِي ) أي وعبادتي أو حجي أو قرباني المذبوح بمنى ( وَمَحْيايَ ) أي وحياتي في الدنيا بالعمل الصالح ( وَمَماتِي ) أي وموتي بعد الحياة على الإيمان وخلوص العمل ( لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) [ 162 ] أي خالص للّه الخالق لكل شيء .
--> ( 1 ) « فرقوا » : قرأ حمزة والكسائي بألف بعد الفاء وتخفيف الراء ، والباقون بغير ألف وتشديد الراء . البدور الزاهرة ، 113 . ( 2 ) عن مجاهد وقتادة والسدي ، انظر السمرقندي ، 1 / 527 ؛ والبغوي ، 2 / 445 . ( 3 ) أخذه عن السمرقندي ، 1 / 527 ؛ وانظر أيضا ابن الجوزي ، 35 . ( 4 ) نقل المفسر عن البغوي ، 2 / 445 . ( 5 ) أخرجه الترمذي ، الإيمان ، 18 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 2 / 446 . ( 6 ) النساء ( 4 ) ، 40 . ( 7 ) رواه أحمد بن حنبل ، 2 / 317 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 1 / 528 . ( 8 ) نقله عن السمرقندي ، 1 / 528 . ( 9 ) « قيما » : قرأ المدنيان والمكي والبصريان بفتح القاف وكسر الياء وتشديدها ، والباقون بكسر القاف وفتح الياء وتخفيفها . البدور الزاهرة ، 113 .