أحمد بن محمود السيواسي
34
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
أي حاكما يحكم بيني وبينكم للفصل بين المحق منا وبين المبطل ، وذلك حين طلبوا منه قاضيا يقضي بينه وبينهم ( وَهُوَ ) أي اللّه « 1 » ( الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ ) أي القرآن ( مُفَصَّلًا ) أي مبينا فيه الحق من الباطل بلغة تعرفونها ( وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ ) أي مؤمنو أهل الكتاب ( يَعْلَمُونَ أَنَّهُ ) أي القرآن ( مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ) أي ملابسا بالصدق ( فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) [ 114 ] أي الشاكين في نزوله من عند اللّه أو في علم أهل الكتاب أنه من عند اللّه ، يعني لا يريبك جحود أكثرهم به ، خطاب للنبي عليه السّلام والمراد أمته ، ويجوز أن يكون الخطاب عاما لكل أحد ، وهذا من باب التهييج على الشيء ، يعني إذا تعاضدت الأدلة على صحته فما ينبغي أن يمتري فيه أحد . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 115 ] وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 115 ) ( وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ) بالإفراد والجمع « 2 » ، أي تم ووجب كل أخبار اللّه بالوعد والوعيد والتحليل والتحريم ، ومن ذلك نصرة المؤمنين وخذلان الكافرين ( صِدْقاً وَعَدْلًا ) حالان من « ربك » ، أي صادقا فيما أخبر عنه وعادلا فيما حكم به ( لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ) أي لا مغير لشيء « 3 » منها بما هو أصدق وأعدل ( وَهُوَ السَّمِيعُ ) بما سألوا ( الْعَلِيمُ ) [ 115 ] بما نووا . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 116 ] وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ( 116 ) قوله ( وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ ) نزل حين خاصم المشركون النبي عليه السّلام في أكل الميتة وقالوا : إنك تزعم أنك تعبد اللّه فما قتل اللّه أحق بأن تأكل مما قتلت أنت بيدك « 4 » ، فقال تعالى إن تطع يا محمد أكثر من في أرض مكة أو الكفار لأن أكثر من في الأرض كانوا كفارا ( يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) أي يصرفوك عن دين اللّه ، لأنهم يتبعون أهواءهم ، يؤكده قوله ( إِنْ يَتَّبِعُونَ ) أي ما يتبع الكافرون ( إِلَّا الظَّنَّ ) أي آباءهم بالظن ، لأنهم ظنوا أن آباءهم كانوا على الحق ، فهم يقلدونهم ، فاقتصروا على الظن بالجهل ولم يسعوا في طلب الحق ، واتبعوا أهواءهم ، فلذلك استحقوا التعذيب ( وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ) [ 116 ] أي يقدرون أنهم على شيء أو يكذبون في قولهم إن اللّه أحل كذا وحرم كذا . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 117 ] إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 117 ) ( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ ) أي أي إنسان ينصرف ( عَنْ سَبِيلِهِ ) أي عن دينه وشرائعه ، و « مَنْ » مبتدأ ، و « يَضِلُّ » خبره ، والجملة في محل النصب ب « يعلم » مقدرة ، دل عليه « أعلم » ، لأن أفعل التفضيل لا يعمل النصب في اسم ظاهر ، ولا يجوز إضافة « أَعْلَمُ » إلى « مَنْ » ، لأنه لو جر بالإضافة لزم كونه تعالى ضالا ، لأن أفعل التفضيل « 5 » يضاف إلى ما هو بعضه وهو منزه عن ذلك ، ويجوز أن يكون « مَنْ » بمعنى الذي أو نكرة موصوفة ، المعنى : أن اللّه أعلم بالضالين عن دينه ( وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) [ 117 ] لدينه . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 118 ] فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ ( 118 ) قوله ( فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ) نزل حين كان الكفار يحلون بعض الذبائح ويأكلون بعض الميتات « 6 » ، فأمر اللّه المؤمنين بأن يأكلوا مما ذكي على اسم اللّه خاصة ، أي كلوا مما ذبح ببسم اللّه ولا تعدوه إلى الميتة ( إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ ) [ 118 ] أي مصدقين بآياته . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 119 ] وَما لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ ( 119 )
--> ( 1 ) أي اللّه ، ب س : - م . ( 2 ) « كلمت » : قرأ الكوفيون ويعقوب بغير ألف بعد الميم ، والباقون باثباتها . البدور الزاهرة ، 109 . ( 3 ) لشيء ، ب م : بشيء ، س . ( 4 ) أخذه عن البغوي ، 2 / 409 . ( 5 ) أفعل التفضيل ، م : أفعل ، ب س . ( 6 ) لعله اختصره من السمرقندي ، 1 / 509 ؛ والبغوي ، 2 / 409 .