أحمد بن محمود السيواسي

35

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

ثم خاطبهم بالاستفهام توبيخا على ترك الأكل من المذبوح بالبسملة بقوله ( وَما لَكُمْ ) أي أي مانع لكم من ( أَلَّا تَأْكُلُوا ) شيئا ( مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ) من الذبائح ( وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ) أي والحال أنه بين لكم ( ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ) في سورة المائدة وغيرها ، قرئ الفعلان مجهولين ومعلومين « 1 » ، أي بين اللّه ما حرمه ( إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ) أي ما أجهدتم إلى أكله من الميتة عند الجوع ، فإنه حلال لكم للضرورة ( وَإِنَّ كَثِيراً ) من الكفار ( لَيُضِلُّونَ ) معلوما من « أضل » ، أي يدعون غيرهم إلى أكل المحرم ، ومن ضل ، أي يحلون ويحرمون ( بِأَهْوائِهِمْ ) أي بشهواتهم ( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) أي من غير شريعة من شعائر اللّه ( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ ) [ 119 ] أي المتجاوزين من الحلال إلى الحرام . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 120 ] وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ ( 120 ) قوله ( وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ ) نزل حين كانوا يحرمون الإثم كالزنا في العلانية ولا يرون به بأسا في السر « 2 » ، فقال اتركوا علانية المعصية وسرها ، وقيل : ظاهر الإثم العمل ، وباطنه النية « 3 » ، وقيل : « ظاهره مخالة النساء وباطنه الزنا » « 4 » ، ثم هددهم بقوله ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ ) أي يعملوا المعاصي ( سَيُجْزَوْنَ ) أي سيعاقبون ( بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ ) [ 120 ] أي يرتكبون منها . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 121 ] وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ( 121 ) ثم نهوا عن ضد ما أمروا به من الأكل مما ذكر اسم اللّه عليه بقوله ( وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ) من المذبوح على اسم غير اللّه والميتة ( وَإِنَّهُ ) أي إن الأكل منه ( لَفِسْقٌ ) أي لمعصية ، فلو ذبح المسلم ولم يسم اللّه على الذبيحة عامدا أو ناسيا يحل عند الشافعي وأحمد ، لأنهما حملا الآية على ما ذبح على اسم غير اللّه ، لأن الفسق لا يطلق على المختلف فيه بين العلماء ، وأبو حنيفة يحملها على الترك عمدا ، لأنه يأكل إن ترك ناسيا لا عامدا لقوله عليه السّلام : « اذكروا أنتم اسم اللّه وكلوا » « 5 » ، قوله ( وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ ) نزل حين سألوا عن النبي عليه السّلام من قتل الشاة إذا ماتت ؟ فقال : اللّه قتلها ، قالوا : تزعم أن ما قتله الإنسان والصقر والكلب حلال وما قتله اللّه حرام « 6 » ، فقال تعالى إن الشياطين ليوسوسون ( إِلى أَوْلِيائِهِمْ ) من المشركين ( لِيُجادِلُوكُمْ ) أي ليخاصموكم بقولهم ولا تأكلون مما قتله اللّه ، وهذا يرجح تأويل من أول الآية بالميتة ( وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ ) في أكل الميتة واستحلالها ( إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ) [ 121 ] أي أنتم مثلهم في الشرك ، وفيه دليل على أن من استحل شيئا مما حرمه اللّه أو حرم شيئا مما أحله اللّه فهو مشرك . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 122 ] أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 122 ) قوله ( أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً ) أي كافرا ( فَأَحْيَيْناهُ ) أي فهديناه ، نزل في حمزة وأبي جهل ومثليهما « 7 » بادخال همزة الاستفهام على سبيل الإنكار على من بمعنى الذي ، محله مرفوع بالابتداء ، أي أمن كان ضالا فأرشدناه

--> ( 1 ) « فصل » ، « حرم » : قرأ نافع وحفص وأبو جعفر ويعقوب بفتح الفاء والصاد في الأول وفتح الحاء والراء في الثاني ، وقرأ شعبة والأخوان وخلف بفتح الفاء والصاد في الأول وضم الحاء وكسر الراء في الثاني ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بضم الفاء وكسر الصاد في الأول وضم الحاء وكسر الراء في الثاني . البدور الزاهرة ، 109 . ( 2 ) نقله المصنف عن السمرقندي ، 1 / 510 . ( 3 ) لعله اختصره من البغوي ، 2 / 411 . ( 4 ) عن الكلبي ، انظر البغوي ، 2 / 411 . ( 5 ) انظر البغوي ، 2 / 412 . ولم أعثر عليه بهذا اللفظ في كتب الأحاديث المعتبرة التي راجعتها . ( 6 ) أخذه عن البغوي ، 2 / 412 . ( 7 ) عن ابن عباس ، انظر الواحدي ، 189 ؛ والبغوي ، 2 / 413 .