أحمد بن محمود السيواسي

332

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

هذه الأمة فقبلوها ، وبورك لهم فيها بمغفرة الذنوب ونزول الرحمة عليهم « 1 » ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ ) أي ليقضي ( بَيْنَهُمْ ) ببيان الحق معاينة ( يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) [ 124 ] من دين الحق ، يعني ليجازيهم جزاء اختلافهم في التحليل والتحريم وتعيين يوم من الأسبوع للعبادة وتعظيم غير ما فرض اللّه عليهم . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 125 ] ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 125 ) ثم قال لنبيه عليه السّلام ( ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ ) أي إلى الإسلام ( بِالْحِكْمَةِ ) أي بالقرآن والنبوة ( وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ) أي بالقول اللين الرفيق من غير غلظة ولا تعنيف ، قال عليه السّلام : « أمرنا أن أكلم الناس على قدر عقولهم » « 2 » ، وقيل : الموعظة الحسنة الدعوة إلى اللّه بالترغيب والترهيب « 3 » ( وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) أي وخاصمهم وناظرهم بالخصومة التي هي المرضية عند اللّه ، وهي أن لا يكون لك فيها غرض من أغراض الدنيا ولا أذى لهم ولا تقصير في تبليغ الرسالة والدعاء إلى الحق ، وهذا منسوخ بآية السيف « 4 » ( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ) أي عن دينه الحق ( وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) [ 125 ] أي المستقيمين في الدين . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 126 ] وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ( 126 ) قوله ( وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ) نزل بالمدينة في شهداء أحد ، وذلك أن المسلمين لما رأوا ما فعل المشركون بحمزة وحاله من المثلة السيئة وهي تبقير بطنه وجدع أنفه وأذنه وجب مذاكيره جزعوا جزعا شديدا ، وقالوا : لئن ظفرنا بقريش لنمثلن بهم مثلة لم يفعلها أحد من العرب بأحد ، ثم رأى النبي عليه السّلام عمه حمزة بحاله التي بها رأوه ، فقال : واللّه لئن أظفرني اللّه بهم لأمثلن بسبعين منهم مكانك ، فقال اللّه تعالى : إن كنت لا بد فاعلا بموتاهم فافعل بهم مثل ما فعلوا بموتاك ، فكف رسول اللّه عليه السّلام عن المثلة وكفر عن يمينه « 5 » ، قيل : لا خلاف في تحريم المثلة لورود الأخبار بالنهي عنها حتى الكلب العقور « 6 » ، روي : أنه لم يبق أحد من قتلى أحد من المسلمين إلا وقد مثل به غير حنظلة بن الراهب « 7 » ( وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ ) بالعفو على ترك القصاص ( لَهُوَ ) أي صبركم ( خَيْرٌ ) في الثواب ( لِلصَّابِرِينَ ) [ 126 ] أي لكم من الانتقام ، فقال عليه السّلام : « بل نصبر عليه ونمسك عن المكافاة » « 8 » ، قيل : « كان هذا قبل نزول براءة حين أمر النبي عليه السّلام بقتال من قاتله ومنع من الابتداء بالقتال ، فلما أعز اللّه الإسلام وأهله ونزلت براءة وأمروا بالجهاد ، نسخت هذه الآية « 9 » . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 127 ] وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ( 127 ) ( وَاصْبِرْ ) أي دم على الصبر ، ففيه عزم عليه بالصبر ( وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ) أي بتوفيقه للصبر وربطه على

--> ( 1 ) أخذه عن البغوي ، 3 / 457 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 255 . ( 2 ) ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث المعتبرة التي راجعتها . ( 3 ) نقله عن البغوي ، 3 / 458 . ( 4 ) أخذه المفسر عن البغوي ، 3 / 458 ؛ وانظر أيضا النحاس ، 180 ؛ وهبة اللّه بن سلامة ، 60 ؛ وابن الجوزي ، 42 . ( 5 ) اختصره من السمرقندي ، 2 / 256 ؛ والبغوي ، 3 / 458 ؛ والكشاف ، 3 / 168 . ( 6 ) أخذه عن الكشاف ، 3 / 168 . ( 7 ) وهذا منقول عن البغوي ، 3 / 458 . ( 8 ) انظر البغوي ، 3 / 458 . ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث الصحيحة التي راجعتها . ( 9 ) عن ابن عباس والضحاك ، انظر البغوي ، 3 / 458 ؛ وانظر أيضا ابن الجوزي ، 42 .