أحمد بن محمود السيواسي
33
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
لم يؤمن به آباؤهم الأقدمون لما سألوا الآية من أنبيائهم » « 1 » . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 111 ] وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ( 111 ) قوله ( وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ ) متصل بقوله « 2 » « وأقسموا باللّه » في النزول ، أي ولو أننا أنزلنا إليهم الملائكة كما قالوا لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ( وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى ) بالإحياء كما طلبوا ( وَحَشَرْنا ) أي وجمعنا ( عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ ) طلبوه ( قُبُلًا ) بضمتين جمع قبيل ، أي قبيلا قبيلا بمعنى فوجا فوجا ، وبكسر القاف وفتح الباء « 3 » ، أي معاينة ، مصدر في معنى الحال من « كُلَّ شَيْءٍ » ، المعنى : أنا لو جئناهم بما طلبوه كله ورأوا ذلك عيانا ليؤمنوا بأنك رسول اللّه ( ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ) أي إلا في حال مشية اللّه ( وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ ) أي أكثر الكفار ( يَجْهَلُونَ ) [ 111 ] فيقسمون باللّه جهد أيمانهم على ما لا يعلمون من حال أفئدتهم عند نزول الآيات . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 112 ] وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ ( 112 ) قوله ( وَكَذلِكَ ) تسلية للنبي عليه السّلام ليصبر على عداوتهم ، أي كما جعلنا لك أعداء ( جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ ) قبلك ( عَدُوًّا ) نصب بأنه المفعول الأول « 4 » ، وما قبله الثاني ، وأبدل من « عَدُوًّا » ( شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ) قيل : كل عات شيطان ، فللآنس شياطين كما أن للجن شياطين ، وشيطان الإنس أشد من شيطان الجن في الإضلال « 5 » ، قال عليه السّلام لأبي ذر : « هل تعوذت من شيطان الإنس ؟ قال : أو للإنس شيطان ؟ قال : هم شر من شيطان الجن » « 6 » ( يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ ) في محل النصب على الحال من « شَياطِينَ » أو صفة ل « عَدُوًّا » ، أي يوسوس ، فيلقي شياطين الجن إلى شياطين الإنس وبالعكس ( زُخْرُفَ الْقَوْلِ ) أي مزينة ( غُرُوراً ) أي خدعا مفعول له أو نصب على المصدر ، يعني يزين القول باطلا يغرهم بذلك غرورا ، ويغريهم على المعاصي وأصل الزخرف الذهب المزين ( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ ) أي ما فعلوا الإيحاء من الزخرف والغرور ولمنعهم « 7 » من الوسوسة ، ولكن اللّه يمتحن قلوبهم بما يعلم أنه أبلغ في الحكمة وأجزل في الثواب وأشد في العقاب ( فَذَرْهُمْ ) أي فدعهم ( وَما يَفْتَرُونَ ) [ 112 ] أي وما يكذبون من القول والغرور . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 113 ] وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ ( 113 ) قوله ( وَلِتَصْغى ) عطف على « غُرُوراً » ، أي ليغروا ولتصغى أو تقديره : وفعلنا لتصغى ، أي تميل ( إِلَيْهِ ) أي إلى الإيحاء السوء أو إلى زخرف القول ، واللام للصيرورة ( أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) أي قلوب الكافرين ( بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ ) أي وليقبلوه لأنفسهم من الشياطين ( وَلِيَقْتَرِفُوا ) أي ليكتسبوا « 8 » من الآثام ( ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ ) [ 113 ] أي مكتسبون ، يعني ليعملوا ما شاؤوا من المعاصي فيجازيهم بأعمالهم في الآخرة . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 114 ] أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 114 ) ( أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي ) أي قل يا محمد أأتبع أهواءكم ، أفغير اللّه أطلب ( حَكَماً ) حال من « غير اللّه » المفعول به ،
--> ( 1 ) عن ابن عباس ، انظر البغوي ، 2 / 405 . ( 2 ) متصل بقوله ، ب : متصل لقوله ، س م . ( 3 ) « قبلا » : قرأ المدنيان والشامي بكسر القاف وفتح الباء ، والباقون بضمهما . البدور الزاهرة ، 109 . ( 4 ) المفعول الأول ، ب س : مفعول أول ، م . ( 5 ) وهذه الأقوال مأخوذة عن السمرقندي ، 1 / 508 . ( 6 ) أخرج نحوه أحمد بن حنبل ، 5 / 178 ، 265 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 2 / 406 - 407 . ( 7 ) ولمنعهم ، ب : ويمنعهم ، س م ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 1 / 508 . ( 8 ) أي ليكتسبوا ، س : أي يكتسبوا ، ب م .