أحمد بن محمود السيواسي
318
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر » « 1 » ، وأراد من يتدبره ويعمل به ، قيل : « أرذل العمر تسعون سنة » « 2 » ، وقيل : ثمانون « 3 » ، وقيل : « خمسة وسبعون » « 4 » ( إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ ) لا يزول علمه عن ذاته أبدا ( قَدِيرٌ ) [ 70 ] يقدر على إزالة علم كل عالم وإبقائه فيه ، قال أنس بن مالك : كان رسول اللّه عليه السّلام يدعو : « أعوذ بك من البخل والكسل وأرذل العمر وعذاب القبر وفتنة الدجال وفتنة المحيا والممات » « 5 » . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 71 ] وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 71 ) ( وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ ) أي وسع الرزق على البعض وضيق على البعض من الناس بأن كثره وقلله أو فضل الموالي على العبيد في المال والرزق ، يعني جعل رزقكم أفضل مما رزق مماليككم وهم بشر مثلكم ليظهر التفاوت بينكم وبينهم ( فَمَا ) أي فليس ( الَّذِينَ فُضِّلُوا ) وهم الموالي ( بِرَادِّي ) فضل ( رِزْقِهِمْ ) الذي أعطاهم اللّه وزاد عن حاجاتهم ( عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ ) أي على عبيدهم ( فَهُمْ فِيهِ ) أي فان المولى والعبيد في الرزق ( سَواءٌ ) لا يكون تفاوت بينهم في الرزق بحسب أصل الخلقة ، لأنهم مثلهم في البشرية وإخوانهم ، فكان ينبغي أن يردوا فضل رزقهم عليهم حتى يتساووا « 6 » في المطعم والملبس بناء على ما روي عن رسول اللّه عليه السّلام : « إنما هم إخوانكم فاكسوهم مما تكسون وأطعموهم مما تطعمون » « 7 » ، لكن الحكمة الإلهية التي هي ظهور التفاوت بينهم لأجل الخدمة المحتاج إليها منعته أو المعنى : أنهم لا يرضون أن يكونوا مع مماليكهم فيما رزقهم اللّه سواء برد الفضل عليهم كراهة الشركة فيه ، وهم جعلوا عبيدي شركائي في ملكي وسلطاني ، فهذا مثل ضربه اللّه عز وجل إلزاما للحجة على كفار مكة حيث يشكرون باللّه خلقه وعبيده الذين هو خالقهم ورازقهم ، ثم قال إنكارا عليهم ( أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ ) التي هي هذا « 8 » التفضيل ( يَجْحَدُونَ ) [ 71 ] بالتاء والياء « 9 » ، أي تكفرون بالإشراك به فجعل جحود ذلك من جملة جحود النعمة ، وقيل معنى الآية : إني رازقهم جميعا فهم في رزقي سواء فلا تحسبن المولى أنهم يردون على مماليكهم رزقهم من عندهم ، فان ذلك رزقي الذي أرزقهم إياه من أيديهم « 10 » . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 72 ] وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ( 72 ) ( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً ) أي من جنسكم نساء ، وقيل : المراد حواء « 11 » ، لأنها خلقت من قصيراء آدم عليه السّلام « 12 » ( وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ ) أي من نسائكم ( بَنِينَ وَحَفَدَةً ) أي أولاد الأولاد ، جمع حافد من الحفد وهو العون والقوة ، وقيل : « هم الأختان على البنات » « 13 » ، وقيل : « هم الأصهار » « 14 » ، فالمعني على هذا القول : واللّه جعل لكم من أزواجكم بنين وبنات تزوجوهن فيحصل بسببهن الأختان والأصهار ،
--> ( 1 ) ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث الصحيحة التي راجعتها . ( 2 ) عن قتادة ، انظر البغوي ، 3 / 437 ؛ والكشاف ، 3 / 155 - 156 . ( 3 ) أخذه عن البغوي ، 3 / 437 . ( 4 ) عن علي كرم اللّه وجهه ، انظر البغوي ، 3 / 437 ؛ والكشاف ، 3 / 155 . ( 5 ) رواه مسلم ، الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ، 52 ؛ وأبو داود ، الصلاة ، 367 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 437 - 438 . ( 6 ) يتساووا ، م : يتخذوا ، ب س ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 3 / 156 . ( 7 ) أخرج البخاري نحوه ، العتق ، 15 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 3 / 156 . ( 8 ) هذا ، س م : - ب . ( 9 ) « يجحدون » : قرأ شعبة ورويس بتاء الخطاب ، والباقون بياء الغيبة . البدور الزاهرة ، 180 . ( 10 ) أخذه عن الكشاف ، 3 / 156 . ( 11 ) نقله المؤلف عن البغوي ، 3 / 438 . ( 12 ) وهذه الرواية من الإسرائليات ، لأنها موجودة في التورية ، انظر تكوين ، 2 / 21 - 23 . ( 13 ) عن ابن مسعود والنخعي ، انظر البغوي ، 3 / 438 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 242 ( عن ابن مسعود ) . ( 14 ) عن ابن مسعود ، انظر السمرقندي ، 2 / 242 - 243 ؛ والبغوي ، 3 / 438 .