أحمد بن محمود السيواسي

317

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 68 ] وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ( 68 ) ( وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ) وهو مذكر في اللفظ ، مؤنث في المعنى كالنخل في الشجر ، أي ألهمها وقذف في أنفسها وهي زنابير العسل ، وقيل : جمع واحدها نحلة « 1 » ( أَنِ اتَّخِذِي ) « أن » فيه مفسرة ( مِنَ الْجِبالِ ) « من » فيه تبعيض ( بُيُوتاً ) أي مساكن تأوي إليها ( وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ) [ 68 ] أي يبنون لك من الأماكن . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 69 ] ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 69 ) ( ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ) أي من حلوها وحامضها وغيرهما ( فَاسْلُكِي ) أي فادخلي ( سُبُلَ رَبِّكِ ) أي طرقه التي ألهمك وعرفك الرجوع إلى مسكنك ( ذُلُلًا ) حال من « سُبُلَ » ، أي سهلة المسالك في الجبال وخلال الأشجار أو حال من « النَّحْلِ » ، جمع ذلول ، أي مطيعة منقادة للمراد منك بالتسخير ، يقال : إن أربابها ينقلونها من مكان إلى مكان لمصلحة لها ولهم ، ثم أخبر عن وصفها تعجيبا فقال ( يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها ) أي أفواها ( شَرابٌ ) أي عسل ، لأنه يشرب منه ( مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ ) من أبيض وأخضر وأحمر وأصفر وأسود . قيل : إنه يختلف باختلاف الشبابة والكهولة والشيخوخة وغيرها من النحل « 2 » ، ويحتمل أن يكون الاختلاف في الألوان باختلاف المأخذ كما يختلف طعم العسل من حلوه ومره بها ، روي : أن العسل ينزل من السماء فيستقر في مكان ، فتأتيه النحل وتشربه ثم تأتي الخلية « 3 » فتلقيه في الشمع المهيأ له لا كما يظن بعضهم أنه من فضلات الغذاء يستحيل في المعدة عسلا وفي هذه الرواية ضعف ، لأن أهل الخبرة من أصحاب النحل قالوا : إن الزنابير تأكل من الثمار والأنوار فيغير اللّه تعالى بقدرته الثمر والنور في بطونها عسلا ، فإذا امتلأت بطونها تجيء من مسالكها التي ذهبت إلى بيوتها فتلقيه إلى الشمع من بطونها كما صرح اللّه تعالى به سبحان من يخيل النور عسلا في أجواف الزنابير « 4 » ( فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ ) أي في العسل شفاء الأوجاع التي يعرف شفاؤها منه ، يعني أنه من جملة الأشفية المشهورة النافعة لأمراض الناس وليس الغرض أنه شفاء لكل مرض ، قال ابن مسعود رضي اللّه عنه : « العسل شفاء من كل داء » « 5 » ، يعني من بعضها كقولهم الماء حيوة من كل شيء ، ومنه ما يقتل المريض ، وقال عليه السّلام : « عليكم بالشفاءين القرآن والعسل » « 6 » ، يعني القرآن شفاء لما في الصدور والعسل شفاء لما في الأبدان ( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) [ 69 ] فيعتبرون من أمر النحل المطيعة لوحي ربها العاملة باذنه ما لا يقدر عليه أحد من خلقه فيؤمنون . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 70 ] وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ( 70 ) ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ) أي يقبض أرواحكم صبيانا أو شبانا أو كهولا ( وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ) أي أردئه « 7 » إلى الهرم ( لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً ) أي لكيلا يعقل بعد عقله الأول شيئا لشدة هرمه ، ف « شَيْئاً » منصوب ب « لا يَعْلَمَ » ، يعني يعتريه حال النسيان عند هرمه ، فلا يفهم ما كان يفهمه قبل هرمه وكبره ، وقيل : هذا في الكافر ، لأن المسلم يزداد عقله بصلاحه في طول عمره كرامة له « 8 » ، قال عليه السّلام : « من

--> ( 1 ) أخذه عن البغوي ، 3 / 436 . ( 2 ) نقله المؤلف عن السمرقندي ، 2 / 241 . ( 3 ) الخلية ، م : الحلبة ، ب س . ( 4 ) وهذا مأخوذ عن مفاتيح الغيب ، 20 / 58 . ( 5 ) انظر السمرقندي ، 2 / 242 ؛ والبغوي ، 3 / 437 ؛ والكشاف ، 3 / 155 . ( 6 ) رواه ابن ماجة ، الطب ، 7 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 242 ؛ والبغوي ، 3 / 437 ؛ والكشاف ، 3 / 155 . ( 7 ) أردئه ، ب س : أرديه ، م . ( 8 ) اختصره المؤلف من مفاتيح الغيب ، 20 / 63 .