أحمد بن محمود السيواسي

311

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) [ 38 ] أي لا يصدقون بالبعث بعد الموت . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 39 ] لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ ( 39 ) قوله ( لِيُبَيِّنَ ) يتعلق بفعل « بَلى » ، أي يبعث اللّه جميع الخلق يوم القيامة ليكشف ( لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ) من الحق وهو دين الإسلام والبعث الموعود لهم ( وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) عند خروجهم من قبورهم ( أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ ) [ 39 ] في الدنيا بقولهم لا يبعث اللّه من يموت . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 40 ] إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 40 ) قوله ( إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ ) أي قصدنا حدوثه ، مبتدأ ، خبره ( أَنْ نَقُولَ لَهُ ) أي لذلك الشيء ، والمراد البعث ( كُنْ ) أي احدث ( فَيَكُونُ ) [ 40 ] بالرفع ، أي فهو يكون ، وبالنصب عطف على « نقول » « 1 » ، أي فيحدث بسهولة بلا مهلة ف « كان » تامة ، المعنى : أن إيجاد كل مقدور علينا يسير ، فإذا أردنا أن نبعث الموتى فلا تعب علينا في إحيائهم ، لأنه من شق المقدورات . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 41 ] وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 41 ) ( وَالَّذِينَ هاجَرُوا ) من مكة إلى المدينة ( فِي اللَّهِ ) أي في طاعته ( مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا ) أي عذبوا وأوذوا في اللّه ( لَنُبَوِّئَنَّهُمْ ) أي لننزلنهم ( فِي الدُّنْيا حَسَنَةً ) أي تبوئة جميلة بالمدينة أو المراد المنزلة الحسنة ، وهي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم وأنعام الغنيمة عليهم أو التوفيق والهداية ، فهذا ثوابهم في الدنيا . نزلت الآية في بلال وصهيب وخباب وعمار وعابس وجبير وأبي جندل بن سهيل ، أخذهم المشركون بمكة فعذبوهم « 2 » ( وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ ) أي ثوابها ( أَكْبَرُ ) أي أفضل ( لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) [ 41 ] أي يصدقون بالثواب المذكور . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 42 ] الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 42 ) ثم وصفهم مدحا بقوله ( الَّذِينَ صَبَرُوا ) أي هم الصابرون في الدنيا على ما فاتهم من مفارقة الوطن الذي هو حرم اللّه المحبوب في كل قلب ، فكيف بقلب رجل هو مسقط رأسه ؟ وعلى المجاهدة وبذل الأرواح في سبيل اللّه ( وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) [ 42 ] أي يثقون به في الرزق وغيره . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 43 إلى 44 ] وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 43 ) بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 44 ) قوله ( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ ) يا محمد ( إِلَّا رِجالًا ) مثلك ( نُوحِي إِلَيْهِمْ ) كما يوحي إليك ، نزل حين قال قريش : اللّه أعظم من أن يكون رسوله بشرا ، لأنه لو أراد إرسال رسول لأرسل إلينا الملائكة الذين عنده « 3 » ، ثم قال تعالى إن لم يصدقك قومك فقل ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ) أي أهل التورية والإنجيل ليعلموكم أن اللّه لم يرسل إلى الأمم المتقدمة إلا بشرا لا ملكا ( إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) [ 43 ] ذلك ، قوله ( بِالْبَيِّناتِ ) يتعلق ب « نُوحِي » أو ب « أَرْسَلْنا » مضمرا ، استئناف كأن قائلا قال بم أرسلوا ؟ فأجيب أرسلنا بالبراهين الظاهرة كالمعجزات ( وَالزُّبُرِ ) أي الكتب النبوية التي تبين الحلال والحرام ( وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ ) أي القرآن ( لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) من الأمر والنهي وغير ذلك من الشرائع ( وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) [ 44 ] أي ولكي يتفكروا فيه فيؤمنوا .

--> ( 1 ) « فيكون » : قرأ الكسائي والشامي بنصب نون « فيكون » ، والباقون برفعها . البدور الزاهرة ، 179 . ( 2 ) أخذه عن البغوي ، 3 / 428 ؛ وانظر أيضا الواحدي ، 235 ؛ والسمرقندي ، 2 / 236 . ( 3 ) نقله المفسر عن السمرقندي ، 2 / 236 ؛ وانظر أيضا الواحدي ، 235 ؛ والبغوي ، 3 / 428 - 429 .