أحمد بن محمود السيواسي
312
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 45 ] أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ( 45 ) ثم قال تهديدا لهم ( أَ فَأَمِنَ ) أي أجحد الحق فغفل ( الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ ) أي عملوا الحيل القبيحة في إبطال دينه الحق وهم أهل مكة من ( أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ ) أي أن يدخلهم فيها إحياء إلى الأرض السفلى ( أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ) [ 45 ] أي لا يدركون بهلاكهم لغفلتهم . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 46 ] أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 46 ) ( أَوْ يَأْخُذَهُمْ ) بالعذاب ( فِي تَقَلُّبِهِمْ ) أي في تصرفهم وتنقلهم من بلد إلى بلد في تجارتهم ( فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ ) [ 46 ] أي بفائتين من عذابه تعالى . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 47 ] أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 47 ) ( أَوْ يَأْخُذَهُمْ ) بالعذاب ( عَلى تَخَوُّفٍ ) أي تنقص شيئا فشيئا في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا جميعا ، يقال تخوفهم الدهر إذا نقصهم وأخذ أموالهم وحشمهم أو يأخذ القرية بالعذاب ويترك أخرى قريبة منها ، فيخوفها بتلك ، فإن لم ينتهوا أخذ الأخرى ( فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ) [ 47 ] بالإمهال مع استحقاق العذاب وترك العجلة بعقاب . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 48 ] أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ ( 48 ) قوله ( أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ ) بالتاء والياء « 1 » ، إخبار عن الذين مكروا السيئات ، أي ألم ينظروا ولم يعتبروا إلى الذي خلق اللّه ( مِنْ شَيْءٍ ) أي جسم قائم له ظل عند طلوع الشمس وعند غروبها ( يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ ) بالتاء والياء « 2 » ، أي تدور وترجع بتسييرها على بروجها ، والفيء الرجوع ( عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ ) وهو استعارة من يمين الإنسان وشماله ، و « الشَّمائِلِ » جمع شمال وهو اليسار ، وإنما جمعه دون اليمين مع أن المراد منه الأيمان ليجري الكلام على عادة العرب حيث يكتفون بواحدة من العلامتين إذا اجتمعتا كقوله تعالى « وَعَلى سَمْعِهِمْ » « 3 » ، ونصب على الحال من الظلال ، قوله ( سُجَّداً لِلَّهِ ) أي مائلات ودائرات بالانقياد لأمر اللّه ، فالسجود هنا استعير للاستسلام من السجود للطاعة ، قيل : سجود الظلال ميلانها ودورانها من جانب إلى جانب ، أما عن اليمين فهو في أول النهار وأما عن الشمال فهو في آخر النهار « 4 » ، وقيل : « الظل قبل الطلوع وبعد الغروب يحتوي جميع جهاتك وعند الطلوع كان قدامك وعند الارتفاع كان عن يمينك ثم يكون خلفك ثم يكون عن يسارك قبل الغروب » « 5 » ، فهذا التقلب عبارة عن سجوده ، وقيل : المراد من سجود الضلال سجود الأشخاص « 6 » ، وفيه تأمل لأن الآية الآتية بعد تغني عن ذلك ، فالأولى أن يحمل على حقيقته تعريضا للمستكبرين عن السجود حيث يعجزون أن يكونوا مثل الظلال في الانقياد لأمره تعالى مع ضعفها ( وَهُمْ داخِرُونَ ) [ 48 ] الجملة حال من ضمير « سُجَّداً » ، أي والحال أن الضلال ذليلون في حال السجود ، وجمع الداخر بالواو والنون ، لأن الدخور من صفات العقلاء . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 49 ] وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 49 ) ( وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ) أي ينقاد لإرادة اللّه ويخضع ( ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) والمراد منه العقلاء وغيرهم لإرادة العموم ، ولذا اختار ذكر « ما » على « من » ( مِنْ دابَّةٍ ) بيان لما فيهما على تقدير أن يكون في السماء خلق
--> ( 1 ) « أو لم يروا » : قرأ الأخوان وخلف بتاء الخطاب ، والباقون بياء الغيبة . البدور الزاهرة ، 179 . ( 2 ) « يتفيؤا » : قرأ البصريان بتاء التأنيث ، والباقون بياء التذكير . البدور الزاهرة ، 179 . ( 3 ) البقرة ( 2 ) ، 7 . ( 4 ) لعله اختصره من البغوي ، 3 / 430 . ( 5 ) عن الكلبي ، انظر البغوي ، 3 / 430 . ( 6 ) أخذه عن البغوي ، 3 / 430 .