أحمد بن محمود السيواسي
24
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
عبادته ويؤمنوا باللّه الذي لا يجوز عليه الحدوث والتغير ، ويدل على أنه أراد به ذلك ، قوله ( فَلَمَّا أَفَلَ ) أي غاب ( قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ) [ 76 ] أي الغائبين ، يعني لا أحب ربا يتغير عن حاله ويزول . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 77 ] فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ( 77 ) ( فَلَمَّا رَأَى ) بفتح الراء والهمزة وبإمالتهما وبفتح الراء وإمالة الهمزة وبكسر الراء وفتح الهمزة وجعلهما بين بين « 1 » ، أي لما أبصر ( الْقَمَرَ بازِغاً ) أي طالعا أول طلوعه ، نصبه على الحال ( قالَ هذا رَبِّي ) لكون ضوئه أكثر من ضوء الكوكب « 2 » ( فَلَمَّا أَفَلَ ) أي غاب ( قالَ ) تنبيها لقومه ( لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ) [ 77 ] على أن من اتخذ القمر إلها وهو مثل الكوكب في التغير والانتقال فهو ضال ، فان الهداية إلى الحق ليست إلا بتوفيق اللّه وأسند الضلال إلى نفسه ليكون ذلك أدعى إلى هدايتهم . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 78 إلى 79 ] فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ( 78 ) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 79 ) ( فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً ) أي طالعة ( قالَ هذا ) أي الطالع ( رَبِّي ) وهو من استعمال النصفة مع الخصم ( هذا أَكْبَرُ ) أي أعظم من الكوكب والقمر وأنور منهما ، لأنها ملأت كل شيء ضوءا ( فَلَمَّا أَفَلَتْ ) أي غربت وانتقلت ( قالَ ) لهم ( يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ) [ 78 ] أي من الأحرام التي تجعلونها شركاء لخالقها ، فقالوا له من تعبد أنت يا إبراهيم ؟ قال لهم ( إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ ) أي أخلصت ديني ( لِلَّذِي فَطَرَ ) أي خلق ( السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) أي للذي دلت هذه المحدثات على وحدانيته ( حَنِيفاً ) أي مسلما عادلا عن كل دين باطل ( وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) [ 79 ] مثلكم ، يعني لست على دينكم وسيرتكم ، وإنما احتج عليهم بالأفول في تلك الأجرام دون البزوغ ، لأن الاحتجاج بالأفول أظهر وأبين ، لأنه انتقال مع خفاء واحتجاج . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 80 ] وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ ( 80 ) ( وَحاجَّهُ ) أي خاصمه ( قَوْمُهُ ) في دين اللّه حين عاب أصناهم ( قالَ ) إبراهيم تجهيلا لهم ( أَ تُحاجُّونِّي ) مشددا ومخففا بحذف نون الوقاية « 3 » ، أي أتجادلونني « 4 » ( فِي اللَّهِ ) أي في دينه ( وَقَدْ هَدانِ ) أي أرشدني إلى توحيده ، ثم خوفوه أن تمسه أصنامهم بسوء ، فقالوا ما تخاف أن تخبلك آلهتنا فتهلك فقال ( وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ ) أي الذي تجعلونه شريكا للّه في العبادة ( إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً ) استئنافا من « ما » ، أي لا أخاف مما تعبدونه قط إلا في حال مشية اللّه بي شيئا من الإضلال أو من المكروه من جهته فأخاف من ذلك ( وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ) أي ملأ علم ربي كل شيء سرا وعلانية ، يعني ليس بمستبعد من ربي أن يكون في علمه إنزال المخوف بي من جهة معبوديكم ( أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ ) [ 80 ] أي أتعاندون الحق ، فلا تتعظون فتميزوا بين المعبود القادر والمعبود العاجز وترجعوا عن الشرك . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 81 ] وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 81 ) ( وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ ) من الأصنام التي لا تضر ولا تنفع لأحد بوجه ( وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ ) أي باشراكه « 5 » ( عَلَيْكُمْ سُلْطاناً ) أي برهانا وحجة لكم فيه ، فإن إشراككم باللّه مما يتعلق به كل
--> ( 1 ) انظر في هذه القراءة ، البدور الزاهرة ، 107 . ( 2 ) الكوكب ، ب م : الكواكب ، س . ( 3 ) « أتحاجوني » : قرأ المدنيان وابن ذكوان وهشام بخلف عنه بتخفيف النون ، والباقون بتشديدها ، وهو الوجه الثاني لهشام . البدور الزاهرة ، 105 . ( 4 ) أي تجادلونني ، ب م : تجادلونني ، س . ( 5 ) أي باشراكه ، س : - ب م .