أحمد بن محمود السيواسي

218

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

[ سورة هود ( 11 ) : آية 110 ] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ( 110 ) ( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ ) أي التورية ( فَاخْتُلِفَ فِيهِ ) كما اختلف في القرآن ، بعضهم آمن به وبعضهم كفر به ، وفيه تسلية للنبي عليه السّلام ليصبر على تكذيبهم كما صبر موسى عليه السّلام ( وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ ) أي لولا وجب قول ربك بتأخير العذاب عن أمتك إلى يوم القيامة ( لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) أي لحكم في الحال بلا مهملة بنزول العذاب بهم ولفرغ من إهلاكهم ( وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ) أي من القرآن ( مُرِيبٍ ) [ 110 ] أي موقع الريبة والتهمة . [ سورة هود ( 11 ) : آية 111 ] وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 111 ) ( وَإِنَّ كُلًّا ) قرئ بالتشديد والتخفيف « 1 » ، وأعملت في « كلا » ، والتنوين فيه عوض من المضاف إليه ، أي كل واحد من المختلفين والخبر على الوجهين ( لَمَّا ) بالتخفيف و « ما » نكرة بمعنى شيء واللام فيه لا أن للتأكيد ، أي وإن كلا لخلق ولو جعلت « ما » زائدة للفصل بين لام « إِنَّ » ولام القسم ( لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ) كان خبر « إِنَّ » « لَيُوَفِّيَنَّهُمْ » ، فاللام الأولى لتوطئة القسم ، واللام في « لَيُوَفِّيَنَّهُمْ » جواب قسم محذوف ، أي وإن كلا من المختلفين واللّه ليوفينهم ، أي ليعطينهم « 2 » وافيا ( رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ ) أي جزاء أعمالهم من خير وشر ، وقرئ « لما » بالتشديد « 3 » ، أصله « لمن ما » بمعنى لخلق ما قلبت النون ميما فاجتمع ثلاث ميمات ، فحذفت الأولى تخفيفا ( إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) [ 111 ] أي عالم به فيجازيكم بالخير خيرا وبالشر شرا . [ سورة هود ( 11 ) : آية 112 ] فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 112 ) ثم خاطب نبيه عليه السّلام بعد ذكر كونه خبيرا ( فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ) على دين ربك والعمل به والدعاء إليه ، وقيل : « افتقر إلى اللّه بصحة العزم » « 4 » ، وهو الوثوق به والتوكل عليه وربطه القلب به ، قوله ( وَمَنْ تابَ مَعَكَ ) عطف على الضمير في « استقم » للفصل بينهما ، أي وليستقم من تاب من الشرك وآمن معك في التوحيد والعمل بما أمروا به ( وَلا تَطْغَوْا ) أي لا تخرجوا عن حدود اللّه ولا تروغوا روغان الثعلب ( إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) [ 112 ] أي لا يخفى عليه من أعمالهم شيء . قال ابن عباس رضي اللّه عنه : « ما نزل على رسول اللّه عليه السّلام آية هي أشد عليه من هذه الآية ولذا قال شيبتني سورة هود » « 5 » . [ سورة هود ( 11 ) : آية 113 ] وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ( 113 ) ( وَلا تَرْكَنُوا ) أي لا تجعلوا أنفسكم راكنين أي مائلين ( إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) أي وجد منهم الظلم ( فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ) أي فيصيبكم عذاب النار ، والركون هو الميل والمحبة بالقلوب « 6 » ، يعني لا تطيعوهم ولا ترضوا أعمالهم السيئة وأقوالهم الباطلة ولا تداهنوهم ( وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ) أي أعوان ينفعونكم ( ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ) [ 113 ] أي لا تمنعون من عذابه حين تمسكم النار ، و « ثم » فيه لاستبعاد نصرهم منه ، قال سفيان : « إن في جهنم واد لا يسكنه إلا القراء الزائرون الملوك » « 7 » ، من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصي اللّه في أرضه .

--> ( 1 ) « وإن كلا » : قرأ نافع وابن كثير وشعبة بتخفيف « وإن » ، وأبو عمرو والكسائي وبعقوب وخلف وابن عامر وحفص وأبو جعفر بتشديد « وإن » . البدور الزاهرة ، 159 . ( 2 ) ليعطينهم ، ب م : لنعطينهم ، س . ( 3 ) « لما » : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب وخلف بتخفيف « لما » ، وابن عامر وحفص وحمزة وأبو جعفر وشعبة بتشديد « لما » . البدور الزاهرة ، 159 . ( 4 ) عن جعفر الصادق ، انظر الكشاف ، 3 / 57 . ( 5 ) انظر البغوي ، 3 / 246 . ( 6 ) القلوب ، ب م : القلب ، س . ( 7 ) انظر الكشاف ، 3 / 58 .