أحمد بن محمود السيواسي

215

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

بعد ذلك فقال ( سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) أينا الجاني على نفسه والمخطئ بفعله ( مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ ) من اللّه ( يُخْزِيهِ ) أي يذله ويهلكه ( وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ ) على الحقيقة لا بزعمكم ، والأصل أن يقول ومن هو صادق ، وإنما قال ذلك تجهيلا لهم ، لأنهم كانوا يدعونه كاذبا ، أي ويخزي الكاذب على اللّه بأن له شريكا ، ف « مَنْ » عطف على الضمير المفعول « 1 » ( وَارْتَقِبُوا ) أي انتظروا بي العذاب ( إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ) [ 93 ] بمعنى الراقب ، أي منتظر بكم العذاب ونزوله في الدنيا . [ سورة هود ( 11 ) : آية 94 ] وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ ( 94 ) ( وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا ) أي عذابنا ( نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ) أي أشركوا باللّه وعصوا أمره ( الصَّيْحَةُ ) أي صيحة جبريل ، فخرجت أرواحهم من أبدانهم ( فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ ) [ 94 ] أي ميتين في أمكنتهم لا يتحركون . [ سورة هود ( 11 ) : آية 95 ] كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ ( 95 ) ( كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ) أي كأن لم يقيموا في الأرض ولم يعمروا متصرفين فيها ( أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ ) من رحمة اللّه ( كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ ) [ 95 ] من رحمته ، والبعد ضد القرب ، وقيل : معناه ألا هلاكا لمدين كهلاك ثمود « 2 » ، قيل : « لم يعذب أمتان بعذاب واحد إلا قوم صالح وشعيب ، صاح بهم جبريل فأهلكهم اللّه تعالى » « 3 » . [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 96 إلى 97 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 96 ) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ( 97 ) ثم قال لزيادة تذكير وتهديد لكفار مكة ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا ) أي بعلاماتنا التسع ( وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ) [ 96 ] أي بحجة بينة ( إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ ) أي إلى أشراف قومه ( فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ) أي أطاعوا قوله حين قال : « ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى » « 4 » فأطاعوه في ذلك ، وتركوا أمر موسي ( وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ ) أي قوله ( بِرَشِيدٍ ) [ 97 ] أي بصواب ، بل هو ضلال ظاهر لمن له عقل ، وهو تجهيل لمتبعيه . [ سورة هود ( 11 ) : آية 98 ] يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ( 98 ) ( يَقْدُمُ قَوْمَهُ ) أي يتقدمهم ( يَوْمَ الْقِيامَةِ ) وهم خلفه كما كانوا يتبعونه في الدنيا ( فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ) أي أدخلهم فيها أورده بلفظ الماضي لا بلفظ المستقبل المطابق قوله « يَقْدُمُ » ليدل على أنه مقطوع به ، كأنه قال : يقدمهم فيوردهم النار لا محالة ( وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ) [ 98 ] أي الدخول المحضور النار ، وهي المخصوص بالذم ، حذف للعلم به ، من وردت الماء أي حضرته ، جعل الورد عين النار مبالغة في التهويل ، يعني بئس المورود النار ، لأن الورد انما يراد لتسكين العطش وتبريد الكبد ، والنار ضده . [ سورة هود ( 11 ) : آية 99 ] وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ( 99 ) ( وَأُتْبِعُوا ) أي ألحقوا ( فِي هذِهِ ) الدنيا ( لَعْنَةً ) وهي الغرق ( وَيَوْمَ الْقِيامَةِ ) لعنة أخرى ، وهي عذاب النار ، يعني لعنوا في الدارين ( بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ) [ 99 ] أي العون المعان ، أي العطاء المعطى ، وذلك أنه ترادفت اللعنتان ، لعنة في الدنيا ولعنة في الآخرة أو الرفد المدد ، فكأن اللعنة في الدنيا رفدت ، أي أمددت باللعنة الأخرى يوم القيامة . [ سورة هود ( 11 ) : آية 100 ] ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ ( 100 ) ( ذلِكَ ) النبأ ، أي الخبر ، مبتدأ ، خبره ( مِنْ أَنْباءِ الْقُرى ) أي بعض أخبار القرى المهلكة ( نَقُصُّهُ ) خبر بعد

--> ( 1 ) فمن عطف على الضمير المفعول ، ب س : - م . ( 2 ) لعله اختصره من الكشاف ، 3 / 53 . ( 3 ) عن ابن عباس ، انظر السمرقندي ، 2 / 141 . ( 4 ) المؤمن ( 40 ) ، 39 .