أحمد بن محمود السيواسي
214
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة هود ( 11 ) : آية 89 ] وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ ( 89 ) قوله ( وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ ) من جرم ذنبا إذا كسبه نهي عن مخالفتهم لشعيب فيما أمرهم ونهاهم ، أي لا يحملنكم ( شِقاقِي ) أي مخالفتي وهو فاعل « لا يَجْرِمَنَّكُمْ » ، يعني مخافتكم إياي أو عداوتكم وبغضكم علي ، ومفعوله الثاني ( أَنْ يُصِيبَكُمْ ) أي على فعل يصيبكم بسببه بلا توبة عنه ( مِثْلُ ما ) أي الذي « 1 » ( أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ ) من الغرق ( أَوْ قَوْمَ هُودٍ ) من الريح ( أَوْ قَوْمَ صالِحٍ ) من الصيحة ( وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ ) أي ليس عذابهم ( بِبَعِيدٍ ) [ 89 ] منكم ولذا لم يقل ببعيدة على تأنيث القوم ، يعني إن طال عهدكم بعذاب هؤلاء فاعتبروا بعذاب من هو قريب منكم وهو قوم لوط ، وقيل : تقديره بمكان أو زمان بعيد « 2 » . [ سورة هود ( 11 ) : آية 90 ] وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ( 90 ) ( وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ) عن الشرك ( ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ) عن عمل المعاصي ( إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ) بعباده بقبول توبتهم ( وَدُودٌ ) [ 90 ] أي محب لأهل طاعته منهم أو محبوب لهم فهو بمعنى الواد أو المودود ، وقيل : إن شعيبا كان خطيب الأنبياء عليهم السّلام فهو يعظهم ويدعوهم إلى التوحيد « 3 » . [ سورة هود ( 11 ) : آية 91 ] قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ ( 91 ) ( قالُوا ) على سبيل الاستهزاء ( يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ ) أي ما نعقل ( كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ ) أي مما تدعونا إليه من الإيمان ومن وفاء الكيل والوزن ، وذلك خلاف ما عليه آباؤنا ( وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً ) أي ذليلا لا قوة لك لتمنعنا عنه أو ضرير البصر لا تصلح للنبوة فينا ، قيل : ذهب بصره من كثرة بكائه من خشية اللّه أو محبته له « 4 » ( وَلَوْ لا رَهْطُكَ ) أي عشيرتك ( لَرَجَمْناكَ ) أي لقتلناك بالحجر والرجم أقبح القتل ، وقالوا : ذلك تألفا لقومه لا خوفا منهم ، لأن الرهط ما دون العشرة ( وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ ) [ 91 ] أي بكريم ليكون لك حرمة عندنا ، بل العزة لقومك فينا . [ سورة هود ( 11 ) : آية 92 ] قالَ يا قَوْمِ أَ رَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ( 92 ) ( قالَ يا قَوْمِ أَ رَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ ) والأصل أن يقول « مني » مكان « مِنَ اللَّهِ » ، لأن الكلام واقع فيه وفي رهطه إلا أنه لما أعز عليهم « 5 » رهطه دونه وهو نبي اللّه كان رهطه أعز من اللّه ، أي أرهطي أهيب عندكم من خوف اللّه إن تركتم قتلي لمكان رهطي ، فأولى أن تحفظوني في اللّه لأني نبيه أو هم أعظم عندكم من أمر اللّه وكتابه ( وَاتَّخَذْتُمُوهُ ) أي اللّه ( وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا ) أي منسوبا إلى الظهر ، وكسر الظاء من تغيير النسب كما يقال أمسي في النسبة إلى أمس ، يعني جعلتم أمر اللّه وراء ظهوركم فتركتموه تهاونا به ( إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) [ 92 ] أي عالم بجميع أعمالكم فيجازيكم بها ، والإحاطة إدراك الشيء بكماله . [ سورة هود ( 11 ) : آية 93 ] وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ( 93 ) ( وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ ) أي على قوتكم طالبين هلاكي وإبطال أمري ( إِنِّي عامِلٌ ) في إبطال كيدكم وهلاك دينكم بقوة اللّه ونصرته والمكان والمكانة بمعنى التمكن من عمل شيء ، ثم حذرهم مستأنفا بترك الفاء التي للوصل الظاهر اكتفاء بالوصل الخفي التقديري لكونه جوابا لسؤال مقدر ، كأنهم قالوا : ماذا يكون لنا
--> ( 1 ) أي الذي ، ب س : - م . ( 2 ) أخذه المفسر عن الكشاف ، 3 / 52 . ( 3 ) نقله عن البغوي ، 3 / 237 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 3 / 52 . ( 4 ) هذا منقول عن السمرقندي ، 2 / 140 . ( 5 ) أعز عليهم ، ب : لما أعزوا عليه ، س ، لما عز عليهم ، م ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 3 / 52 .