أحمد بن محمود السيواسي

188

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

الشديد ليؤمنوا ويطيعوا فهو بمنزلة رفع الجبل على قوم موسى لامتثال أمر التورية « 1 » . وقصة الآية : أنه قال عبد اللّه مسعود رضي اللّه عنه إن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل ، فأرسل اللّه إليهم يونس عليه السّلام يدعوهم إلى الإيمان ، فأبوا فقال لهم بوحيه تعالى : أن العذا مصبحكم إلى ثلاثة أيام ، فقال بعضهم لبعض ما جربنا عليه كذبا مذ كان معنا ، فانظروا إن بات فيكم تلك الليلة فليس بشيء وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب مصبحكم فاحتالوا لأنفسكم وخرج في تلك الليلة من عندهم ، فلما أصبحوا رأوا غيما أسود فيه دخان عظيم ، فهبط حتى غشي مدينتهم وتسودت سطوحهم ، فطلبوا يونس فلم يجدوه فأيقنوا بالهلاك فترادوا المظالم ، قيل كان يقلع الرجل الحجر الذي قد وضعه بالظلم في أساس بنائه ويرده إلى مالكه ، فتابوا واستغفروا اللّه ولبسوا المسوح وخرجوا إلى الصحراء مع النساء والصبيان والبهائم ، وفرقوا بين الأولاد والأمهات من الأناسي والبهائم فحن بعضهم إلى بعض ، ثم عجوا إلى اللّه مؤمنين متضرعين تائبين أربعين ليلة ، فلما عرف اللّه منهم صدق التوبة وإخلاصها رحمهم ، فرفع عنهم العذاب بعد ما كان غشيهم ، ففيه تخويف شديد لأهل مكة وغيرهم بأنهم إن لم يؤمنوا لنزل بهم العذاب ، فلا ينفعهم الإيمان إن آمنوا في ذلك الوقت ، روي : أنهم خرجوا إلى شيخ من بقية علمائهم وعرضوا عليه حالهم من نزول العذاب بهم ، فقال : قولوا يا حي حين ، لا حي ويا حي محيي الموتى ويا حي لا إله إلا أنت ، فقالوها فكشف عنهم العذاب وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة ، وقيل : قالوا اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل ، فافعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن له أهله « 2 » . [ سورة يونس ( 10 ) : آية 99 ] وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 99 ) ( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ) يا محمد إيمانهم ( لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً ) بتوفيقه وهدايته إياهم أو بالقسر والإلجاء كما فعل بقوم يونس لكنه لم يفعل ، لأن الدنيا دار ابتلاء ( أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ ) أي المشركين ( حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) [ 99 ] ليس ذلك إليك وإنما عليك التبليغ ، قيل : هو في شأن عمه أبي طالب « 3 » . [ سورة يونس ( 10 ) : آية 100 ] وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ( 100 ) ثم أومي إلى أن الإيمان لا يكون للمؤمن إلا باذنه وإرادته ( وَما كانَ لِنَفْسٍ ) من النفوس التي علم أنها تؤمن ( أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ) أي بتسهيله وتوفيقه ( وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ ) بالنون والياء « 4 » ، والجاعل اللّه ، أي الخذلان ، لأنه سبب الرجس وهو العذاب ( عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ) [ 100 ] من اللّه أمره ونهيه . [ سورة يونس ( 10 ) : آية 101 ] قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ( 101 ) ( قُلِ انْظُرُوا ما ذا ) « ما » استفهامية و « ذا » بمعنى الذي عند سيبويه ، أي انظروا نظر عبرة ما الذي ( فِي السَّماواتِ ) من دلائل التوحيد كالشمس والقمر والنجوم ( وَ ) في ( الْأَرْضِ ) من الجبال والأشجار والثمار والبحار وغير ذلك ، فاعتبروا به وآمنوا ( وَما تُغْنِي الْآياتُ ) أي ولا تنفع العلامات ( وَالنُّذُرُ ) جمع نذير ، أي الرسل ( عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ) [ 101 ] لعلمه السابق أنهم يموتون على الكفر . [ سورة يونس ( 10 ) : آية 102 ] فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ( 102 ) ثم هدد كفار مكة بقوله ( فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ ) أي ما يترقبون بعدم الإيمان ( إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا ) أي وقائع الذين مضوا ( مِنْ قَبْلِهِمْ ) من مكذبي الأمم كقوم نوح وعاد وثمود ، والعرب تسمي العذاب والنعمة أياما كقوله

--> ( 1 ) ليؤمنوا ويطيعوا فهو بمنزلة رفع الجبل على قوم موسى لامتثال أمر التورية ، ب س : - م . ( 2 ) اختصره من البغوي ، 3 / 183 ؛ والكشاف ، 3 / 26 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 112 . ( 3 ) أخذه عن السمرقندي ، 2 / 112 . ( 4 ) « ويجعل » : قرأ شعبة بالنون وغيره بالياء التحتية . البدور الزاهرة ، 151 .