أحمد بن محمود السيواسي

187

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

أهل مصر وأهل الشام ( فَمَا اخْتَلَفُوا ) أي ما تشعبت « 1 » اليهود الذين كانوا في عهد النبي عليه السّلام في تصديقه أنه نبي ، فقال بعضهم : هو هو ، وقال : بعض « 2 » ليس هو ، وغيروا صفته بعد معرفتهم إياها في كتابهم ( حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ ) أي القرآن والبيان بأنه صادق ودينه حق ، وكانوا مقرين بنبوته قبل خروجه للرسالة أو ما اختلفوا في دينهم ولم يتفرقوا فرقا فيه حتى جاءهم موسى بعلم التورية ، فاختلفوا من بعد يوشع بن نون ، فآمن بعض وكفر بعض ( إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) [ 93 ] من أمر الدين . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 94 إلى 95 ] فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ( 94 ) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 95 ) ثم قال خطابا للنبي عليه السّلام والمراد غيره على عادة العرب لعلمه تعالى أنه غير شاك أو خطاب له على سبيل الفرض أو خطاب لكل إنسان شاك ، لأن الناس كانوا في عهده بين شاك وموقن ( فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ ) وهو نزل حين قالت كفار قريش إن هذا الوحي يلقى إلى الشيطان « 3 » ، فقال تعالى إن كنت في شك منه ( فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ ) وهم مؤمنو أهل التورية فيخبرونك أنه مكتوب عندهم في التورية أو قيل : للنبي عليه السّلام هذا على سبيل الفرض ليكون فيه أبلغ ، ولذا قال لا أشك ولا أسأل بل أشهد أنه الحق « 4 » ، ثم قال تحقيقا له ذلك ( لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ ) واللام في جواب القسم ، أي واللّه لقد أتاك الذي لا شك فيه وهو القرآن ( مِنْ رَبِّكَ ) لا من الشيطان كما قاله الأعداء ( فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ) [ 94 ] أي الشاكين في أنه من ربك ( وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ ) أي بكتابه ورسله « 5 » ( فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ ) [ 95 ] أي من المغبونين في دينك . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 96 إلى 97 ] إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ( 96 ) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ( 97 ) ( إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ ) أي وجبت ( عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ) وهو قوله : هؤلاء في النار ولا أبالي ( لا يُؤْمِنُونَ ) [ 96 ] فيموتون كفارا ، لأنه قدر عليهم الكفر ( وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ ) أي كل علامة « 6 » دالة على التوحيد ( حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ) [ 97 ] أي الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة . [ سورة يونس ( 10 ) : آية 98 ] فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ ( 98 ) ( فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ ) أي فما كانت جماعة قرية كافرة ، ف « لولا » كلمة التحضيض في الأصل استعملت هنا للنفي ، لأن في الاستفهام ضربا من الجحد ، يعني لم يكن قرية من القرى ( آمَنَتْ ) عند معاينة العذاب ( فَنَفَعَها إِيمانُها ) في حال البأس ( إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ ) فالاستثناء متصل ، لأن المراد أهالي القرى فيكون نصبه على أصل الاستثناء من « ما آمَنَتْ » ، ويجوز أن يكون « لولا » في معناها ، والاستثناء منقطعا من « قَرْيَةٌ » بمعنى لكن قوم يونس ( لَمَّا آمَنُوا ) وقت بقاء الاختيار والتكليف ( كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ ) أي الذل والهوان ( فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) فنفعهم إيمانهم لوقوع إيمانهم في وقت الاختيار لا في حال البأس « 7 » ( وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ ) [ 98 ] أي إلى انقضاء آجالهم واختلفوا في أنهم رأوا العذاب عيانا ، فقال بعضهم وهم الأكثرون رأوا العذاب عيانا بدليل قوله « كَشَفْنا » ، وقال الأقلون رأوا دليل العذاب وهو اسوداد السماء بالغيم المظلم هائلا يدخن « 8 » فيه الدخان

--> ( 1 ) تشعبت ، م : شعبت ، س ، تتشعب ، ب . ( 2 ) بعض ، ب م : بعضهم ، س . ( 3 ) أخذه المفسر عن السمرقندي ، 2 / 111 . ( 4 ) لعله اختصره من السمرقندي ، 2 / 111 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 3 / 25 . ( 5 ) ورسله ، ب م : ورسوله ، س . ( 6 ) أي كل علامة ، س : أي علامة ، ب م . ( 7 ) لا في حال البأس ، ب س : - م ( 8 ) في النسخ التي راجعتها « يدخر » ، وهذا خطأ على ما أظن ، لعل الصواب ما أثبتناه وهو « يدخن » ؛ انظر أيضا البغوي ، 3 / 183 ؛ والكشاف ، 3 / 26 .