أحمد بن محمود السيواسي
159
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
( وَيُقْتَلُونَ ) مجهولا وبالعكس « 1 » ، فان قتل بعضهم قاتل من بقي منهم ( وَعْداً عَلَيْهِ ) مصدر مؤكد ( حَقًّا ) صفته ، أي وعد اللّه للمجاهدين في سبيله وعدا ثابتا ( فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ) يعني لا في القرآن وحده ، وهذا دليل على أن الجهاد كان في شرائع المتقدمين على هذه الأمة ( وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ) مبتدأ وخبر ، وفيه « 2 » استفهام على سبيل الإنكار ، أي ليس أحد أوفى من اللّه في عهده وشرطه ، وفيه ترغيب في الجهاد أشد ترغيب وأبلغ ، لأن إخلاف الوعد قبيح من كرام المخلوقين ومستحيل من اللّه الغني الذي لا يجوز عليه فعل القبيح ، ثم قال ( فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ ) إعلاما لهم بأنهم ربحوا في تجارتهم ربحا وافرا يدل عليه قوله ( وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) [ 111 ] أي البيع الذي بايعتم به مع اللّه هو الثواب الجزيل والنجاة الوافرة يوم القيامة . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 112 ] التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( 112 ) قوله ( التَّائِبُونَ ) رفع على المدح بالابتداء والخبر محذوف ، أي هم التائبون ، يعني المؤمنين المذكورين أو « التَّائِبُونَ » مبتدأ والخبر « 3 » ( الْعابِدُونَ ) أي التائبون من الذنوب والكفر والنفاق هم الذين عبدوا اللّه وحده وأخلصوا له العبادة وحرضوا الناس عليها ، قوله ( الْحامِدُونَ ) وما بعده من المرفوعات خبر بعد خبر ، أي التائبون على الحقيقة هم الجامعون لهذه الأوصاف وهي العابدون المخلصون الحامدون للّه على كل حال من السراء والضراء ( السَّائِحُونَ ) أي الذين يصومون شهر رمضان ، والسيح في الأصل السير في الأرض وسموا بذلك ، لأن السائح يكون ممنوعا من الشهوات واللذات المطعم والمشرب والمنكح ، قال عليه السّلام : « سياحة أمتي الصوم » « 4 » ، وقيل : « هم السائرون لطلب العلم للعمل في مظانه » « 5 » أو إلى الغزو في سبيل اللّه « 6 » ( الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ ) في الصلاة المفروضة ، والمراد المحافظون على الصلوات الخمس ( الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ) أي بالتوحيد وبأعمال الخير ( وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ أي عن الشرك والنفاق والأعمال الخبيثة في الشرع ، ودخول الواو فيه ليدل على أن السبعة عندهم عقد تام أو هي الواو الداخلة بين الضدين ( وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ) أي العاملون بفرائضه ويداومون عليها ( وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) [ 112 ] أي المصدقين العاملين بهذه الشروط أن لهم الجنة وإن لم يجاهدوا . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 113 ] ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 113 ) قوله ( ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ) الآية نزل نهيا للمؤمنين عن الاستغفار للمشركين ، حين سمع علي بن أبي طالب رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان فمنعه عن ذلك ، فقال الرجل ألم يستغفر إبراهيم لأبويه وهما مشركان ؟ قال علي رضي اللّه عنه : فذكرت ذلك للنبي عليه السّلام فأوحي إليه ما جاز للنبي والمؤمنين الاستغفار للمشركين « 7 » ( وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى ) أي ذوي قرابة في الرحم ( مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ ) أي ظهر ( لَهُمْ ) أي للمؤمنين ( أَنَّهُمْ ) أي المشركين ( أَصْحابُ الْجَحِيمِ ) [ 113 ] أي أهل النار بالاستحقاق إذا ماتوا على الكفر ، وعن أبي هريرة أن النبي عليه السّلام قال : « استأذنت ربي أن أستغفر لوالدي فلم يأذن لي واستأنته أن أزور قبرهما فأذن لي » « 8 » فنزلت الآية .
--> ( 1 ) « فيقتلون ويقتلون » : قرأ الأخوان وخلف « فيقتلون » بضم الياء التحتية وفتح التاء الفوقية مبنيا للمفعول ، « ويقتلون » بفتح الياء التحتية وضم التاء الفوقية مبنيا للفاعل ، والباقون بفتح الياء وضم التاء في الأول وبضم الياء وفتح التاء في الثاني . البدور الزاهرة ، 140 . ( 2 ) مبتدأ وخبر وفيه ، ب س : - م . ( 3 ) محذوف أي هم التائبون يعني المؤمنين المذكورين أو « التائبون » مبتدأ والخبر ، ب س : - م . ( 4 ) ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث المعتبرة التي راجعتها . ( 5 ) عن عكرمة ، انظر البغوي ، 3 / 113 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 2 / 215 ؛ والقرطبي ، 8 / 270 . ( 6 ) لعله اختصره من البغوي ، 3 / 113 . ( 7 ) نقله عن البغوي ، 3 / 115 . ( 8 ) رواه مسلم ، الجنائز ، 105 ، 106 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 77 ؛ والبغوي ، 2 / 115 .