أحمد بن محمود السيواسي

160

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 114 ] وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ( 114 ) ثم قال تعالى بيانا لعذر إبراهيم في الاستغفار لأبيه ( وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ ) أي أباه بقوله « لأستغفرن لك إن تؤمن » ، ووعدها أبوه إبراهيم وهي أن يسلم وكان إبراهيم يستغفر له رجاء أن يؤمن ، لأن العقل لا يأباه ( فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ ) أي ظهر لإبراهيم بالوحي ( أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ ) حين مات على الكفر ( تَبَرَّأَ مِنْهُ ) أي أعرض عن الاستغفار لأبيه آزر بعد موته على الكفر ( إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ ) أي كثير الدعاء ملح فيه أو كثير التأوه ، يعني كان يقول « آه » تضرعا وخشوعا ، وأصل الأوه الرجوع في الشيء والتردد فيه ( حَلِيمٌ ) [ 114 ] أي متجاوز عن جهل الجاهل وذنب من أساء له . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 115 ] وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 115 ) قوله ( وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ ) الآية نزل بيانا لعذر من خاف المؤاخذة في عمل الأشياء المباحة بالعقل قبل ورود النهي عنه « 1 » كشرب الخمر والصلاة إلى القبلة الأولى وبيع الصاع بالصاعين والاستغفار للمشركين قبل التحريم حين سألوا النبي عليه السّلام عنها ، فقال تعالى لم يكن اللّه أن يحكم بضلالة قوم وخذلانهم ويعاقبهم على ذنب لا يعرف بالعقل بعد زمان هدايتهم للإسلام ( حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ) أي يعلمهم ( ما يَتَّقُونَ ) أي الذي يجب اتقاؤه للنهي ، فإذا أعلمهم بأنه ذنب يؤاخذهم اللّه « 2 » لو يقدموا « 3 » على ارتكابه ، وأما قبل الإعلام بذلك فلا يخذلهم ولا يؤاخذهم ، قيل : في هذه الآية دلالة على أن المهدي للإسلام إذا أقدم على بعض محظورات اللّه داخل في حكم الإضلال والخذلان « 4 » ( إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) [ 115 ] مما يصلح للخلق وما لا يصلح لهم . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 116 ] إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 116 ) ( إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) يحكم في أهلهما بما يشاء فيأمر بشيء ، ثم يأمر بغيره ويقر ما يشاء ثبوته فلا ينسخه ( يُحْيِي وَيُمِيتُ ) أي شأنه الإحياء والإماتة في الدنيا ( وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) أي من غيره ( مِنْ وَلِيٍّ ) أي قريب ينفعكم شيئا من عذاب اللّه ( وَلا نَصِيرٍ ) [ 116 ] أي مانع يمنعكم منه ، وفيه ترغيب في الجهاد كيلا يمتنعوا عنه حذر الموت والقتل . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 117 ] لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 117 ) قوله ( لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ ) نزل حين أذن النبي عليه السّلام للمنافقين في التخلف « 5 » ، فقال تعالى عفا اللّه عنك لم أذنت لهم ، فكأنه قال أخطأت في هذا الأذن ومال الفريقان إلى التخلف عن الذهاب معه في الطريق إلى غزوة تبوك لشدة الحر وقلة الزاد والماء والظهر ، أي تجاوز اللّه عن خطأ النبي عليه السّلام وعن ذنوبهم لما أصابهم من الشدة في ذلك الطريق ، ثم وصفهم بقوله ( الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ ) أي في وقت الشدة لغزوة تبوك ، وسموا « 6 » جيش العسرة لقلة الظهر ، قيل : كان العشرة يعتقبون على البعير الواحد « 7 » ولقلة الزاد والماء وشدة الحر حتى كاد تنقطع أعناقهم عطشا فاتبعوا النبي عليه السّلام في ذلك الوقت

--> ( 1 ) أخذه المفسر عن الكشاف ، 2 / 216 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 118 . ( 2 ) فإذا أعلمهم بأنه ذنب يؤاخذهم اللّه ، ب س : - م . ( 3 ) لو يقدموا ، ب : لو تقدموا ، س ، ويقدموا ، م . ( 4 ) وهذا الرأي منقول عن الكشاف ، 2 / 216 . ( 5 ) أخذه عن السمرقندي ، 2 / 78 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 118 . ( 6 ) لغزوة تبوك وسموه ، ب س : لغزو تبوك وسموا ، م . ( 7 ) نقله المؤلف عن البغوي ، 3 / 119 .