أحمد بن محمود السيواسي
141
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 47 ] لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاَّ خَبالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 47 ) قوله ( لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ) أي معكم إلى الجهاد ( ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا ) أي فسادا ، إخبار عن المنافقين بأنهم لا ينفعونكم على تقدير خروجهم معكم ، بل يضرونكم بافساد ذات البين وإيقاع الجبن بين المسلمين بتهويل الأمر ( وَلَأَوْضَعُوا ) أي ولأسرعوا ( خِلالَكُمْ ) أي بينكم ، نصب على الظرف ، يعني لسعوا بالنمائم مسرعين بينكم ( يَبْغُونَكُمُ ) أي يلتمسون لكم ( الْفِتْنَةَ ) أي ما يفتنكم من الشر ، يعني يطلبون هزيمتكم ووقوعكم في الشر ، ومحل الجملة حال من ضمير « أوضعوا » « 1 » ( وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ) أي وفي عسكركم جواسيس للمنافقين ، يسمعون كلامكم ويقبلون منهم ويطيعونهم ( وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) [ 47 ] أنفسهم بالنفاق ، فيجازيهم بظلمهم . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 48 ] لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ ( 48 ) ( لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ ) أي طلبوا العنت وإظهار الشرك والسعي في تشتيت شملك وتفريق أصحابك عنك كما فعل عبد اللّه بن أبي يوم أحد حين انصرف بأتباعه عنك ( مِنْ قَبْلُ ) أي قبل غزوة تبوك ( وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ ) أي الحيل ، يعني دوروا الآراء في إبطال أمرك ودبروا لإهلاكك الحيل من كل وجه ( حَتَّى جاءَ الْحَقُّ ) أي نصر اللّه وتأييده لك وكثر المسلمون ( وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ ) أي علا دينه الحق وغلب وهو الإسلام ( وَهُمْ كارِهُونَ ) [ 48 ] ذلك . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 49 ] وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ ( 49 ) قوله ( وَمِنْهُمْ ) أي ومن المنافقين ( مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي ) في القعود ( وَلا تَفْتِنِّي ) أي لا توقعني في الفتنة بعدم إذنك لي في القعود ، نزل في شأن الجد بن قيس حين حثه النبي عليه السّلام على الخروج إلى الغزو وببنات الأصفر ، وكان الأصفر رجلا من اليمن ملك ناحية من الروم ، فتزوج رومية فولدت له بنات اجتمع فيهن سواد الحبش وبياض الروم وكن فتنة ، فقال الجد قد علمت الأنصار إني حريص على النساء فأخشى أن لا أصبر عنهن وأضع يدي على الحرام ، فلا تفتني بهن ولكني أعينك بمال فاتركني « 2 » ، فأذن له بالقعود « 3 » فقال تعالى ( أَلا فِي الْفِتْنَةِ ) أي اعلموا أنهم في الاثم والنفاق ( سَقَطُوا ) أي وقعوا بالتخلف ( وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ ) أي إنها لتحيط ( بِالْكافِرِينَ ) [ 49 ] يوم القيامة ، وهم الجد بن قيس ومن تابعه في التخلف لكون أسباب الإحاطة معهم لا تنفك منهم . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 50 ] إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ ( 50 ) ثم بين حالهم التي هي أثر النفاق بقوله ( إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ ) أي غنيمة ونصرة بعد تخلفهم ( تَسُؤْهُمْ ) أي تحزنهم تلك الحسنة ( وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ ) في بعض الغزوات ، أي شدة وهزيمة ( يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا ) الذي نحن فيه من الحذر بالتيقظ والعمل بالجزم ( مِنْ قَبْلُ ) أي قبل هذه المصيبة ( وَيَتَوَلَّوْا ) أي ويعرضوا عنك إلى أهاليهم بالتحدث بذلك ( وَهُمْ فَرِحُونَ ) [ 50 ] بحالهم في الانحراف عنك أو بما أصابك من الشدة نحو ما جرى في أحد . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 51 ] قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاَّ ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 51 ) ( قُلْ ) يا محمد ( لَنْ يُصِيبَنا ) أي لن يصل إلينا ( إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ ) أي ما قدره وأوجبه في كتابه ( لَنا ) واختصنا بايجابه وإثباته من النصرة عليكم أو من الشهادة ( هُوَ مَوْلانا ) أي اللّه الذي يتولانا بالنصرة والحفظ وغير ذلك
--> ( 1 ) أوضعوا ، ب : لأوضعوا ، س م . ( 2 ) نقله عن السمرقندي ، 2 / 54 ؛ وانظر أيضا الواحدي ، 209 ؛ والبغوي ، 3 / 61 . ( 3 ) بالقعود ، س : في القعود ، ب م ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 54 .